لماذا لا يُشجَّع الأقوى؟ قراءة نفسية في نهائي كأس أمم إفريقيا بالمغرب 25
في كل مرة يبلغ فيها المنتخب المغربي محطة متقدمة من منافسات كأس إفريقيا للأمم، يتجدد السؤال نفسه: لماذا لا يحظى بالدعم العربي أو الإفريقي الذي نراه يُمنح لمنتخبات أخرى؟ وفي كل مرة تقريبًا، يكون الجواب الجاهز حاضرًا: الحسد، الحقد، أو التآمر. غير أن هذا التفسير، رغم شيوعه، يظل انفعاليًا أكثر منه تحليليًا، ويغفل منطقًا نفسيًا بسيطًا يحكم سلوك الجماهير عبر العالم.
الحقيقة أن الجماهير لا تشجع دائمًا من هو الأفضل أو الأقرب، بل تميل غالبًا إلى مساندة من يُنظر إليه على أنه الأضعف أو الأقل حظًا. في علم النفس الاجتماعي، يُعرف هذا الميل باسم «الانحياز للطرف الضعيف»، حيث يجد الإنسان في دعم غير المرشح شعورًا بالفضيلة والإنصاف، ومتعة نادرة في رؤية القصة تسير عكس المتوقع.
هذا ما يفسر، إلى حد بعيد، موجة التعاطف العالمي التي رافقت المنتخب المغربي في كأس العالم الأخيرة. لم يكن ذلك حبًا عميقًا للمغرب بقدر ما كان افتتانًا بسردية «الحصان الأسود» الذي يقتحم مجال الكبار ويُربك التراتبيات. العالم لا يحب المنتصر الدائم، بل يحب المفاجأة.
لكن حين يتغير الدور، تتغير المشاعر. في كأس أمم إفريقيا، لم يدخل المغرب باعتباره الاستثناء، بل باعتباره منتخبًا منظمًا ومرشحًا. هنا انقلبت السردية: لم يعد يمثل الهامش، بل أصبح جزءًا من القوة. وفي منطق الجماهير، القوة لا تُكافأ بالتصفيق، بل غالبًا ما تُواجَه بالبرود أو حتى بالرفض.
الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه قدّم منذ القرن التاسع عشر مفتاحًا لفهم هذا السلوك، حين تحدث عن «أخلاق القطيع». فالجماعة، بحسبه، تميل إلى القيم التي تمنحها الطمأنينة الأخلاقية، وتتحفظ تجاه كل ما يذكّرها بإمكانية التفوق والاختلاف. تشجيع الضعيف يصبح فعلًا أخلاقيًا مريحًا، أما الاعتراف بالقوي فيتطلب شجاعة لا تملكها الجماهير دائمًا.
من هذا المنظور، فإن تشجيع السنغال في نهائي كأس إفريقيا لا يعني بالضرورة كراهية للمغرب، كما أن تشجيع المغرب في كأس العالم لم يكن عقد ولاء أبدي. الجماهير لا تتعامل بالمنطق ولا بالذاكرة الطويلة، بل باللحظة والسردية.
المفارقة أن الخطاب الإعلامي المغربي، بدل أن يشرح هذه الآليات بهدوء، ينجرف في كثير من الأحيان نحو خطاب المظلومية، فيفسر الظاهرة أخلاقيًا بدل تحليلها نفسيًا. وهنا يقع في الفخ نفسه الذي يحذّر منه نيتشه: البحث عن اعتراف القطيع بدل بناء وعي بالقيمة الذاتية.
النجاح الرياضي الحقيقي لا يُقاس بعدد من يشجعك خارج حدودك، بل بقدرتك على التحول من مفاجأة عابرة إلى قوة مستقرة. ومن يصل إلى هذه المرحلة عليه أن يتصالح مع حقيقة بسيطة: التصفيق يرافق الضعف أحيانًا أكثر مما يرافق القوة.
ربما حان الوقت لنتوقف عن سؤال «لماذا لا يحبوننا؟»، وأن نطرح بدلًا منه سؤالًا أكثر نضجًا: ماذا يعني أن نكون أقوياء، حتى وإن كنا أقل شعبية؟
