مصطفى المنوزي
يفتح تعيين امرأة على رأس الحكومة، لأول مرة في تاريخ المغرب، سؤالًا يتجاوز شخص المعنية وانتماءها الحزبي، ليطال قدرة القوى التقدمية على الاعتراف بقيمة الحدث وتقدير حدوده ؛ ففي مجتمع تتجذر فيه الهيمنة الذكورية، وداخل نظام ملكي وراثي ذي حمولة تقليدانية، كان الأجدر سياسيًا وتعبويًا تثمين السابقة، مع التحفظ على التمجيد المطلق والرهان غير المشروط ، لأن المساواة قيمة عامة تتجاوز الولاء الحزبي، والاعتراف بمكسب يتحقق خارج صفوف اليسار يعزز صدقية خطابه.
يحمل وصول امرأة إلى هذا الموقع أثرًا في المخيال الاجتماعي، حيث ما زالت القيادة تُتصور غالبًا بصيغة المذكر ؛ فهو يوسع مجال الممكن أمام النساء والأجيال الجديدة، ويتيح المطالبة بترجمة الاعتراف بأهليتهن إلى فرص فعلية داخل الأحزاب والمؤسسات وسوق العمل ؛ فانتماء المعنية إلى النخبة يستدعي مساءلة شروط تعميم هذا الإمكان، دون إلغاء دلالته ؛ أما تبخيس الحدث بسبب الخصومة مع حزبها، فقد يهدر هذه الفرصة التعبوية. ومع ذلك، يظل نقد البرنامج والمسار وحدود الصلاحيات مشروعًا، ولا يجوز اختزاله في تحيز ذكوري ، لأن المطلوب تدقيق موضوع النقد، والجمع بين الاعتراف بكسر حاجز تاريخي ثم العمل على مساءلة السياسات؛ فجنس من يتولى المسؤولية لا يضمن توسيع الحريات أو تحقيق العدالة الاجتماعية.
ويقتضي الانضباط النقدي الانتباه إلى احتمال تسويق التعيين لإضفاء صورة تقدمية ( وليست حداثية فقط ) على الحزب المتصدر للأغلبية، بما قد يغطي على تاريخه وسياساته وشروط تشكله وعلاقته بمراكز النفوذ ؛ فقد تتحول السابقة النسائية إلى رصيد رمزي يُعمَّم على الحزب، وكأنها تزكية لمجمل مساره. لذلك ينبغي أن يبقى الرهان مشروطًا بالبرنامج والممارسة والنتائج، وأن تظل قيمة الحدث قابلة للاعتراف دون أن تصبح نوعا من حصانة من المساءلة.
ويستمد هذا التحذير معناه من قراءة نقدية لتجربة التعامل مع توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة ؛ فقد غلب المنطق الحزبي على تعامل قطاعات واسعة من اليسار معها، بين التردد والتحفظ والتجاهل أحيانًا، بما أسهم في تفويت فرصة اعتمادها حدًّا أدنى مشتركًا لدعم استراتيجية النضال الديمقراطي. وكان ممكنًا نقد حدود التجربة والعمل، في الوقت نفسه، على إنفاذ توصياتها وتوسيع مداها.
في المقابل، استثمر حزب الأصالة والمعاصرة مرجعية الإنصاف والمصالحة في خطاب تأسيسه وبناء مشروعيته، قبل أن يتراجع حضور مقتضياتها في مساره ،ومن منظور الوفاء للإرادة الحقوقية والديمقراطية التي حملها الفقيد إدريس بنزكري، تبرز هنا مفارقة تحويل إرث العدالة الانتقالية إلى رصيد حزبي، مع إضعاف الالتزام بمضمونه. والخشية اليوم أن يترك التبخيس أو التجاهل للحزب فرصة الاستئثار بالدلالة التحررية للتعيين، ثم استثمارها لتجديد صورته دون التزام مماثل بمقتضيات المساواة.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين التحديث والحداثة ؛ فمن منظور نسقي، قد تتجدد الوجوه وصور التمثيل ووسائل التدبير، بينما تستمر علاقات الهيمنة وقواعد توزيع السلطة. أما الحداثة، بوصفها أفقًا سياسيًا وقيميًا، فتُختبر بتوسيع الاستقلالية والحقوق والمساواة والمساءلة ؛ ومع ذلك، يمكن للتغيير الرمزي أن يولد مطالب تتجاوز حدوده الأولى؛ ومهمة القوى التقدمية تنمية هذه الإمكانية وربطها بتحولات ملموسة.
وتشمل المساءلة اليسار نفسه: ما موقع النساء في قيادة تنظيماته وصناعة اختياراته؟ وهل يعترف باستقلاليتهن حين يخالفنه سياسيًا؟ فصدقية الدفاع عن المساواة تتغذى من الممارسة الداخلية ومن القدرة على الاعتراف بالمكتسبات خارج دائرة الحلفاء.
إن الموقف التقدمي المتسق يثمن السابقة، ويحولها إلى سند لتوسيع المطالب، ويخضع المسؤولية الحكومية والحزب لمعايير الحقوق والكفاءة والعدالة والنتائج ؛ فهل يستطيع اليسار أن يستدرك درس الإنصاف والمصالحة، ويحمل الدلالة التحررية لهذا الحدث إلى أفقها الديمقراطي، قبل أن تُختزل في رصيد حزبي لتجميل الصورة وتأجيل المساءلة؟.
ولأن المناسبة تتيح إمكانًا ينبغي استثماره، فإن طرح إصلاح مدونة الأسرة ضمن المخطط التشريعي للسنة الأولى من هذه الولاية، إن تحقق، قد يشكل اختبارًا عمليًا للانتقال من رمزية التعيين إلى مضمون الحقوق ؛ فالتثمين الإيجابي للسابقة يمكن أن يسهم في تهيئة بيئة حقوقية وسياسية أكثر استعدادًا لتفعيل حداثي وتأويل ديمقراطي للإصلاح، على أساس المساواة والكرامة والإنصاف. وهنا تتحدد مسؤولية قوى اليسار التقدمية في تحويل الاعتراف بالحدث إلى قوة اقتراح وتعبئة وترافع، مع مساءلة المقتضيات والضمانات وآثارها الفعلية، حتى يكتسب حضور امرأة في رئاسة الحكومة معناه من توسيع حقوق النساء داخل الأسرة والمجتمع خاصة إذا اقترن بترؤس المرأة لعدد من اللجان البرلمانية ! .