لم يعد الاحتيال عبر الإنترنت مجرد حوادث معزولة أو صفحات مشبوهة تختفي بعد فترة قصيرة، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى ظاهرة رقمية مقلقة تستغل الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي ومنصات البيع عبر الشبكة. وبين إعلانات مغرية لبيع منتجات بأسعار لا تصدق، وعروض عمل وهمية تستهدف الباحثين عن الشغل، وشبكات تسعى إلى جمع البيانات الشخصية للمتصفحين، يجد عدد متزايد من المستخدمين أنفسهم ضحايا لعمليات نصب منظمة تستفيد من ضعف الوعي الرقمي وسهولة الوصول إلى المعلومات.
وإذا كان المغاربة قد عرفوا في السابق ما يسمى بـ”النصب بالسماوي” في بعض الأسواق والأحياء الشعبية، حيث كانت عصابات منظمة توهم الضحية بوجود كنز أو مبلغ مالي مخبأ مقابل دفع مبالغ صغيرة، فإن النسخة الرقمية من هذا الأسلوب أصبحت اليوم أكثر خطورة وانتشاراً. فبدلاً من الأزقة والأسواق، انتقل هذا النوع من الاحتيال إلى الفضاء الرقمي، حيث يمكن للمحتال الوصول إلى آلاف الضحايا بضغطة زر واحدة.
تبدأ كثير من هذه العمليات بإعلانات ممولة تظهر للمتصفح أثناء تصفحه لمواقع التواصل الاجتماعي، تعرض منتجات مختلفة مثل الهواتف أو الأجهزة الإلكترونية أو مواد التجميل بأسعار منخفضة بشكل لافت. غير أن ما يحدث بعد إتمام الطلب يكشف في الغالب حقيقة مختلفة، إذ يتوصل الزبون بسلعة لا علاقة لها بما تم الإعلان عنه، أو بمنتج رديء الجودة، وفي أحيان كثيرة لا يتوصل بأي شيء على الإطلاق، بينما تختفي الصفحة أو الحساب الذي نشر الإعلان بعد فترة قصيرة.
في المقابل، تنتشر على نطاق واسع إعلانات توظيف تستهدف الشباب الباحثين عن فرص عمل. تبدأ العملية بدعوة المهتمين إلى التواصل عبر تطبيقات مثل واتساب أو تيليغرام، حيث يتم إقناع الضحية بوجود مهام بسيطة يمكن إنجازها مقابل أرباح مالية مغرية. لكن سرعان ما يتحول الأمر إلى مطالبة الضحية بتحويل مبالغ مالية بدعوى تفعيل الحساب أو ضمان الانضمام إلى المنصة، قبل أن يختفي أصحاب الإعلان بمجرد الحصول على الأموال.
ويشبه هذا الأسلوب في جوهره نفس منطق “السماوي”: إغراء الضحية بوعد سريع بالربح أو الحصول على فرصة استثنائية، قبل أن تتحول تلك الوعود إلى وسيلة لسحب الأموال أو المعطيات الشخصية. الفرق الوحيد أن المحتال لم يعد بحاجة إلى مواجهة الضحية وجهاً لوجه، فالهاتف أو الحاسوب أصبح الوسيط الجديد لعمليات النصب.
غير أن الخطر الأكبر في هذه العمليات لا يكمن فقط في سلب الأموال، بل في جمع المعطيات الشخصية للمتصفحين. فكثير من المواقع والصفحات تطلب من المستخدم ملء استمارات تتضمن معلومات حساسة مثل الاسم الكامل ورقم الهاتف والبريد الإلكتروني وعنوان السكن، وأحياناً حتى نسخة من بطاقة التعريف الوطنية. هذه البيانات لا تبقى لدى الجهة التي جمعتها فقط، بل يتم في حالات عديدة بيعها أو تداولها بين شبكات تسويق أو احتيال أخرى، ما يحولها إلى سلعة في سوق رقمي غير مرئي.
وتكمن خطورة هذه الممارسات في أن المحتالين يصبحون قادرين على استهداف الأشخاص بدقة أكبر، مستعملين معلوماتهم الحقيقية لإضفاء مصداقية على محاولات الاحتيال اللاحقة، سواء عبر الرسائل الهاتفية أو البريد الإلكتروني أو تطبيقات التراسل الفوري.
كما تستغل بعض الجهات ما يسمى اقتصاد المتابعات، حيث يتم استعمال الإعلانات الممولة لجذب عدد كبير من المستخدمين إلى صفحات أو قنوات مشبوهة مقابل وعود بالربح السريع أو الحصول على هدايا. غير أن الهدف الحقيقي في كثير من الأحيان يكون بناء قواعد بيانات ضخمة من المتابعين يمكن استغلالها لاحقاً في عمليات تسويق مضللة أو في حملات نصب رقمية.
أمام هذا الواقع، تتقاطع المسؤوليات بين عدة أطراف. فالجهات المختصة مطالبة بتكثيف المراقبة وتتبع الشبكات التي تنشط في مجال الاحتيال الإلكتروني، خاصة تلك التي تستغل الإعلانات الرقمية للوصول إلى أكبر عدد من الضحايا. كما تتحمل منصات التواصل الاجتماعي جزءاً من المسؤولية من خلال ضرورة تطوير آليات أكثر فعالية لرصد الإعلانات المضللة وإغلاق الحسابات التي يثبت تورطها في عمليات نصب.
في هذا السياق يبرز أيضاً دور الأمن السيبراني باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة الجرائم الرقمية، سواء من خلال تتبع الأنشطة المشبوهة أو عبر تعزيز الوعي الرقمي لدى المواطنين وتسهيل مساطر التبليغ عن الجرائم الإلكترونية.
وعلى المستوى القانوني، ينظم المغرب حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي بموجب القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، والذي يهدف إلى حماية الحياة الخاصة للمواطنين ومنع استغلال بياناتهم دون موافقتهم أو خارج الأغراض المصرح بها. كما تتولى اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي مراقبة مدى احترام هذا القانون، مع إمكانية فرض عقوبات على الجهات التي تقوم بجمع أو استعمال أو بيع المعطيات الشخصية بشكل غير قانوني.
ورغم أهمية القوانين والإجراءات الأمنية، يبقى وعي المستخدم نفسه خط الدفاع الأول. فالتسرع في الوثوق بالإعلانات المغرية أو مشاركة المعلومات الشخصية مع جهات مجهولة قد يحول المتصفح بسهولة إلى ضحية. ولهذا ينصح الخبراء دائماً بالتحقق من مصدر الإعلانات وعدم تحويل أي مبالغ مالية أو مشاركة المعطيات الشخصية قبل التأكد من مصداقية الجهة التي تطلبها.
فالإنترنت فضاء مليء بالفرص، لكنه في الوقت نفسه قد يتحول إلى سوق مفتوحة للنصب وبيع البيانات إذا غاب الحذر وغاب الوعي الرقمي.
