مصطفى المنوزي
إن فوز المنتخب المغربي لم يكن مجرد لحظة فرح عابرة، بل كان تعبيرًا كثيف الدلالة عن قدرة هذا الوطن على الانتصار حين تتكامل الإرادة، وتُحترم القواعد، ويُستثمر في الإنسان داخل منظومة منضبطة وعادلة. هذا الإنجاز الرياضي الكبير لم يولد صدفة، بل هو ثمرة قيم جوهرية: النزاهة، الانضباط، الاستحقاق، التضامن، واللعب النظيف. وهي القيم نفسها التي تقوم عليها العدالة، وتنهض بها مهنة المحاماة باعتبارها رسالة قبل أن تكون مهنة، وضميرًا قبل أن تكون وظيفة.
الفرحة الحقيقية لا تكتمل برفع الكؤوس وحده، بل حين يتحول الإنجاز إلى أفق وطني جامع، وإلى طاقة أخلاقية وسياسية تدفع نحو ازدهار شامل لا يستثني العدالة ولا يستصغر استقلال المهن السامية. لا معنى لانتصار رياضي في وطن تُربك فيه السلطة التنفيذية أسس العدالة، أو تُشوش على استقلال المحاماة، أو تتعامل مع القانون كأداة تدبير ظرفي لا كقاعدة سيادية ضامنة للحقوق والحريات. فالانتصارات الكبرى تُفرغ من معناها حين تُجاورُها اختلالات بنيوية تمس الثقة في المؤسسات وتُضعف شعور المواطن بالإنصاف.
إن المحاماة ليست قطاعًا هامشيًا يمكن العبث به تحت ضغط اللحظة أو إغراء التشريع الاستعجالي، بل هي ركن من أركان الدولة الدستورية، وحصن منيع لحماية الحقوق، وضمانة أساسية لاستمرار كل إنجاز وطني، رياضيًا كان أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا. أي مساس باستقلالها أو تهديد لرسالتها هو، في جوهره، مساس بشرعية الدولة نفسها، وتقويض للأساس القانوني الذي يجعل من الانتصار قيمة مستدامة لا نشوة مؤقتة.
من هنا، فإن روح الفريق التي وحدت المغاربة خلف منتخبهم، يجب أن تتحول إلى وعي جماعي داعم للعدالة واستقلال القضاء، ومساند لمهنة المحاماة باعتبارها “منتخب الدفاع عن حقوق الشعب”. فكما نطالب بلاعبين أحرار داخل الملعب، نحتاج إلى محامين أحرار داخل قاعات المحاكم؛ وكما نرفض التحكيم المنحاز في الرياضة، يجب أن نرفض كل تشريع أو ممارسة تُضعف ميزان العدالة أو تُفرغها من مضمونها الحقوقي.
فوز المنتخب المغربي أسعدنا، وأعاد إلينا الثقة في القدرة على الإنجاز حين تتوفر الشروط السليمة. ولتكن فرحتنا كاملة، لا منقوصة، بأن نرفع مع كأس إفريقيا راية عدالة مستقلة، ومحاماة قوية، ودولة قانون تحمي كرامة الإنسان وتُعلي من قيمة الحق. لأن الوطن الذي ينتصر في الملاعب ولا ينتصر في العدالة، وطن مهدد بفقدان المعنى؛ أما الوطن الذي يربح الرياضة والعدالة معًا، فهو وطن جدير بالثقة، وبالانتماء، وبالمستقبل.
مصطفى المنوزي
