من الإجماع الوطني إلى الصمت السياسي : أي كتلة ديمقراطية خارج مساءلة المجال السيادي المحفوظ ؟
*مصطفى المنوزي
هل عاد الحنين إلى ثورة الملك والشعب، دون إرادة قوية لحوكمة الذاكرة، وما حدود التداول الديمقراطي في السياسة الخارجية ؟
وأي كتلة ديمقراطية هذه التي لم تجعل من قرار الاستغناء عن الخطاب الملكي السنوي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، 20 غشت 1953، موضوعاً للنقاش العمومي؟ وأي معنى للدعوة إلى إعادة بناء كتلة ديمقراطية إذا كانت هذه الأخيرة لا تبادر إلى مساءلة التحولات التي تطال الرموز المؤسسة للذاكرة الوطنية، وعلاقة الدولة بالمجتمع، وحدود المشاركة في إنتاج القرار السيادي؟
أسئلة غير مرتبة كما ارتباك الاصطفاف وتردد الاكتساب وتماهي الاستقطاب ؛ وليس السؤال المحوري اعتراضاً على حق الملك في تحديد مناسبات مخاطبته للأمة، ولا دفاعاً عن استمرار طُقس رسمي لمجرد المحافظة على العادة، وإنما هو مساءلة سياسية ومعرفية لدلالات التحول في تدبير الذاكرة الوطنية، ولحدود اقتدار القوى الديمقراطية على قراءة ما يتغير في العلاقة بين الشرعية التاريخية والشرعية الدستورية والمشاركة المجتمعية.
فذكرى 20 غشت ليست مجرد مناسبة احتفالية، بل لحظة تاريخية مؤسسة، تجسد التقاء المقاومة الشعبية بالشرعية الملكية في مواجهة الاستعمارين الفرنسي أساسا والاسباني ثانيا، وتختزن سردية وطنية مشتركة حول الاستقلال والتضحية والتعاقد التاريخي بين الملك والشعب. ولذلك فإن التمييز بين الاستغناء عن الخطاب السنوي وإلغاء الاحتفاء بالذكرى يظل ضرورياً، لكنه لا يلغي مشروعية التساؤل عن دلالات القرار وآثاره الرمزية وأبعاده السياسية.
صحيح أننا نعيش لحظة وطنية دقيقة، تتصدرها قضية الوحدة الترابية ومشروع الحكم الذاتي، بما يقتضيه ذلك من تعبئة دبلوماسية وسياسية ومجتمعية، ومن حرص على وحدة الموقف الوطني. غير أن هذه الخصوصية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتعليق التفكير النقدي، أو إلى مسوغ ضمني لتحصين السياسة الخارجية من النقاش الديمقراطي.
وهنا تبرز المفارقة: كيف يمكن للقوى الديمقراطية أن تطالب بتوسيع مجال المشاركة والمساءلة داخلياً، بينما تلتزم صمتاً لافتاً كلما تعلق الأمر بالسياسة الخارجية، وكأن الديمقراطية تتوقف عند حدود المجال المحفوظ؟
إن الإجماع حول الوحدة الترابية لا يستلزم الإجماع حول كل الوسائل والسياسات والتقديرات الدبلوماسية ؛ كما أن وحدة الموقف السيادي لا تعني وحدة الرأي، ولا تبرر احتكار إنتاج السردية الوطنية أو تأويل التحولات الاستراتيجية.
ومن منظور التفكير النقدي النسقي، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات متفاعلة: مستوى الثوابت الوطنية، ومستوى حيوية الاختيارات الاستراتيجية، ومستوى التدبير العملي للسياسات الخارجية. فالأول يؤسس للمشترك الوطني، والثاني يظل قابلاً للنقاش في حدود المسؤولية المؤسساتية، أما الثالث فيقتضي آليات للتتبع والتقييم والمساءلة، مع مراعاة ما تستلزمه بعض القرارات من سرية دبلوماسية مشروعة ، وهنا لا يعني هذا التمييز الفصل المطلق بين المستويات الثلاثة، بل يقتضي بناء شروط الاقتران والالتقائية بينها، بما يسمح بتغذية القرار العمومي بالمعرفة والخبرة والتداول، ويجعل من الارتجاع والتقييم وسيلتين لتصحيح الاختيارات وتطوير الاقتدار الجماعي.
وإذا كان الدستور المغربي يخول الملك، بموجب الفصل 42، وظائف تمثيل الدولة وضمان استقلال البلاد ووحدتها الترابية، فإن ذلك لا يلغي الأدوار الدستورية للحكومة والبرلمان، ولا وظائف الأحزاب والمجتمع المدني في التأطير والمشاركة وإنتاج النقاش العمومي. كما أن الفصل 55، بما ينظمه من اختصاصات ومساطر مرتبطة بالمعاهدات الدولية، يؤكد أن المجال الخارجي ليس منفصلاً بصورة مطلقة عن بقية المؤسسات الدستورية.
وعليه، فإن الإشكال لا يتعلق بمنازعة المؤسسة الملكية في اختصاصاتها، ولا بالمطالبة بإخضاع كل قرار دبلوماسي للتداول العمومي، وإنما بمساءلة الثقافة السياسية التي قد تحول مقتضيات السرية الاستراتيجية إلى قاعدة عامة للصمت، وتجعل من التحفظ الظرفي تنازلاً دائماً عن المبادرة الديمقراطية.
وفي هذا السياق، تستعيد ذكرى ثورة الملك والشعب دلالتها العميقة. فقد تأسست رمزيتها على اقتران الإرادة الملكية بالتعبئة الشعبية، بما يجعلها مناسبة للتفكير في تطور العلاقة بين الدولة والمجتمع، لا مجرد استحضار احتفالي للماضي ؛ ومن ثم، فإن التحول في تقاليد الخطاب المرتبط بها يطرح سؤالاً يتجاوز الشكل الاتصالي إلى كيفية حوكمة الذاكرة الوطنية، ومن يشارك في إنتاج معانيها وتجديد سردياتها ؛ غير أن الانضباط النقدي يفرض عدم تحويل الصمت المفترض إلى حكم نهائي على النيات. فقد يكون غياب النقاش العمومي تعبيراً عن توافق واعٍ، أو حذراً سياسياً، أو ضعفاً في المبادرة، أو نتيجة لتطبيع طويل مع اعتبار السياسة الخارجية مجالاً محفوظاً ؛ ولا يمكن ترجيح أحد هذه التفسيرات دون فحص المواقف والوثائق والمبادرات الفعلية للقوى المعنية.
لكن هذا الاحتراز لا يلغي السؤال الجوهري: هل تمتلك الكتلة الديمقراطية تصوراً مستقلاً ومسؤولاً لعلاقة السيادة بالديمقراطية أم أنها تختزل دورها في مساندة الاختيارات الاستراتيجية دون المشاركة في تعليلها وتقييم آثارها؟
إن الكتلة الديمقراطية لا تكتسب مشروعيتها من مجرد إعلان الالتزام بالثوابت الوطنية، بل من قدرتها على الجمع بين المسؤولية الوطنية والاستقلال النقدي، وبين الدفاع عن المصالح العليا للبلاد والمساهمة في دمقرطة شروط إنتاج القرار العمومي.
وليس المطلوب منها افتعال خلاف حول كل قرار سيادي، وإنما تطوير ثقافة سياسية تميز بين ما تقتضيه المصلحة الوطنية من تحفظ مشروع، وما يستدعيه الحق في المعرفة والمشاركة من نقاش مسؤول ، لأن الديمقراطية لا تقاس فقط بالمواقف من الانتخابات والحكومات والدساتير، بل كذلك بالاقتدار على تحويل التحولات ذات الحمولة التاريخية والرمزية والاستراتيجية إلى موضوع للتفكير الجماعي، دون تقديس للطقوس، أو تبخيس للذاكرة، أو خلط بين النقد والمساس بالمصلحة الوطنية.
ومن هنا، فإن إعادة بناء كتلة ديمقراطية ذات مصداقية تقتضي الانتقال من مجرد الاصطفاف حول الإجماع الوطني إلى الإسهام في إنتاجه ديمقراطياً، عبر الحوار الأفقي بين القوى المجتمعية، والتواصل العمودي مع المؤسسات الدستورية، وإرساء آليات للتداول والتقييم والترافع حول السياسات ذات الأبعاد الجيو سياسية و الاستراتيجية.
فالإجماع الديمقراطي ليس غياب الاختلاف، وإنما القدرة على تدبيره داخل أفق وطني مشترك. والسيادة لا تضعف بالمشاركة المسؤولة، بل قد تزداد اقتداراً كلما اتسعت قاعدة المعرفة والثقة والتملك المجتمعي للقرارات الكبرى ؛ ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن تواجه به فلول الكتلة الديمقراطية نفسها ليس فقط لماذا لم تناقش التحول في تقاليد الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، بل لماذا يبدو مجال السياسة الخارجية، في جزء معتبر من الممارسة الحزبية، خارج دائرة المبادرة النقدية والمساءلة السياسية؟
إن الخطر لا يكمن في احترام المجال المحفوظ دستورياً، وإنما في توسيعه سياسياً وثقافياً إلى درجة يصبح معها كل ما يتصل بالخارج مستثنى من التفكير العمومي.
فأي كتلة ديمقراطية تلك التي تطمح إلى المشاركة في حوكمة المستقبل، دون أن تقتدر على مناقشة حوكمة الذاكرة، أو مساءلة حدود المجال المحفوظ، أو الإسهام في إنتاج المعنى الوطني؟
إن الرهان ليس الانتقال من الإجماع إلى الاختلاف لمجرد الاختلاف، وإنما الانتقال من إجماع الصمت إلى إجماع الاقتدار؛ إجماع يقوم على المعرفة والتداول والتعليل والمشاركة، ويجعل من الاستقلال النقدي رافعة للمسؤولية الوطنية، لا نقيضاً لها.
فالديمقراطية التي تتوقف عند أبواب السياسة الخارجية تظل ديمقراطية منقوصة، كما أن الكتلة التي تتخلى عن حقها في التفكير في القضايا الاستراتيجية قد تجد نفسها، مع مرور الزمن، تدافع عن المشاركة السياسية في المجالات التي يُسمح لها بمناقشتها، بدليل أنها سوف تتكلف بالقضايا الاجتماعية المأزومة وذات التقتير في الإنفاق العمومي ، بسبب الإملاءات الاشتراطية ؛ بدل أن تسهم في توسيع المجال الديمقراطي ذاته ، ولعل الصمت المريب حول تجميد آلية الديمقراطية التشاركية التي قد.يجسدها تنصيب المجلس الأعلى للأمن ، كأقوى توصية صادرة عن هيئة الإنصاف والمصالحة ، لأعمق مؤشر على حدود الرهان على أي إصلاح جدي منتظر !
*منسق منتدى ضمير الذاكرة وحوكمة السرديات الأمنية