آخر الأخبار

“معيار الباهيات” من الملحون إلى السياسة 

إدريس الأندلسي 

مقدمة ضرورية: بدأت تناوشات بين الأصالة و المعاصرة و الأحرار قبل  و خلال الحملة الانتخابية، و تحولت إلى مواجهات بكافة الأسلحة المتاحة و غير المعبرة عن ” سياسيين  تقاسموا حلم الهيمنة على كل شيء ” إلا على  حماية قدرة المواطن المغربي  للدخول إلى السوق و المستشفى و المدرسة و الشقة الاقتصادية. سكتوا دهرا على بعضهم البعض إلى أن انفجرت توافقاتهم المصطنعة. و حاولوا إنتاج خطاب تسامح بعد 23 شتنبر الماضي،  اعتبره ، الوزير وهبي، عادي جدا بعد  معركة استخدمت فيها القذائف المدمرة التي تبادلها قطبي تحالف اخنوش . و لكن ” المصلحة العليا” لأصحاب المصالح الكبرى  نطقت بالكلام الذي لا  يتداول إلا في الصالونات ، خارج ميدان الهمس، و دخلت ميدان اللمس بعنف. تجاوزت المواجهات مقرات الأحزاب في الرباط لتنتشر في مجالس المدن، و تفضح هشاشة ما يسمى بالتحالف الحكومي. 

و لفرط اعجابي لانفراط عقد جزء من أغلبية حكومية لا نعرف ان  كانت ستستمر ، رغم تطعيمها ببقايا كتلة كانت توصف بالديمقراطية. و لأن لكل يوم نصيبه من الملاسنات ،  فقد ذكرتني  هذه الأخيرة بقصيدة الملحون المعروفة بمعيار الباهيات. و ” المعيار” في دارجتنا لا يعني شيئا آخر غير تبادل السب و القدف و تجاوز كل حدود اللياقة و اللباقة.  و لا بد من الإشارة إلى المفعول السحري ” للصاك الانتخابي” الذي أصبح رمزا للكشف عن قبح  ممارسة ديمقراطيتنا  التي يجب أن لا تدار من طرف وزارة الداخلية حتى نهاية النصف الأول من هذا القرن.  و لعل بلادنا تكون قد شيدت بناء ديمقراطيا يقبل عليه المغاربة بإرادة و شفافية تتحدانا جميعاً.

استسمحكم يا عشاق و نظام الملحون في تسخير إبداعات الشيوخ المهرة لوصف مبارزات بين كائنات،  ليس جميلا، تتصارع من أجل أن تفوز برضى المواطن الذي قرر أن يختار بينها. الباهيات، و المقصود الجميلات في اللغة و في قاموس أهل الملحون، و من ضمنهم  المكي والجو الازموري، الذي ابدع في نسج حوار يشبه معركة بأسلحة الكلام المعتق المنظوم بالمعاني و بالحكم.  الأمر ليس بالسهل لأن الجمال لا تحده الأشكال و الألوان . يضع الشاعر من سماه ”  الراوي الذي نظم القصيدة إلى تحكيم العقل  ، و لتنتهي به   لضرورة الوضوح الذي ” لا يحسب الشحم في من شحمه ورم ” كما قال المتنبي، و لكي تصل الأمور بالتاجر عمر ذلك ” الهواوي” و العاشق المفتون بحرية الاختيار في مجال العشق.  و هنا  وجد  الشاعر أمامه امتحانا في مجال الوفاء   للموضوعية  لكي يخت.ار بين بيضاء و سمراء و ” غليضة و  رشيقة و غيرها  من ذوات الحسن “. 

و يفتح ميدان التباري على شكل حلقة إنتخابية لها كثير من الشبه مع معركة تفرجنا عليها لأيام انتهت يوم 22 شتنبر. جلس التاجر عمر على كرسي وثير ، و أعلن بداية امتحان إختيار من تمثل الجمال الأكبر من الباهيات بألوان بشرتهن، و قامتهن  ، و سمنتهن و رشاقتهن. انتهى موعد إتقان ” المعيار” بين الباهيات. و لكنه استمر بين أحزاب كانت في علاقة عشق بينهما منذ خمس سنوات. مر الانتخاب و كان المعلن عن نتائجه غير مهتم بشيء آخر غير الأرقام و الأصوات و المقاعد. لا يهمه الجمال و لا أشكاله و لا حمولته الفلسفية.

حدث كل هذا ، و الأمر الجلل لم ينتهي بعد بمعيار الباهيات، و الدور الخطير الذي وجب على التاجر عمر أن يقوم به بكل تجرد، و لكن بكل تسلح بوسائل تقييم الجمال التي يخضع لها كل إنسان حباه آلله بقوة الضمير، و ميزه بعدم ظلم الناس مهما كانت مواقعهم الاجتماعية. أستسلم التاجر عمر   لمقياس الموضوعية  النسبية ليعلن أن البهاء لا يجب أن يسجن في لون أو شكل أو طول و عرض.  و لكن الجمال في السياسة عنيف تصنعه كائنات تكره الجمال الحقيقي  و الطبيعي و البهاء الروحي. رضيت الباهيات الملحونيات بحكم التاجر عمر . رفضت الكائنات الانتخابية كل نتائج الإقتراع رغم رفض شعبي  جارف لها بسبب جروح و نقض عهود و ضعف أحزاب لم يعد بمقدورها أن تقنع المواطن و الوطن بجدواها. 

انتهت الانتخابات، و استمرت السياسة في احتكار ” معيار الباهيات” . ظهر جليا أن نتائج الانتخابات و التحالفات الجديدة كان لها وقع أدى إلى مشاحنات شديدة في المجالس الترابية و المحلية و الجهوية. ظهر للجميع   يتنكرون لها رغم حضورهم في أغلب الوزارات.  هؤلاء جميعا يوجدون في مرتبة دنيا عكس التاجر عمر. من ينهج النفاق و الكذب السياسي لن يفي بالوعود. أن الهشاشة ليست اجتماعية فقط، لأنها في الأساس سياسية. حاولت الحمامة أن توجه منقارها لسائق التراكتور، و حاول التراكتور أن يدهس كل ما وجد أمامه من اعشاش الحمام.  لم ينتهي مسلسل ” معيار الباهيات السياسي، و السبب أن من يتعايرن ولدن في حاضنة اكسبتهن مناعة ضد الأحاسيس الإنسانية المرتبطة بالجمال الأخلاقي و الاجتماعي. و لهذا يتعاملون مع السياسة  والاقتصاد بروح” فراقشية ” الجدور و الأبعاد.   و  لنا في قادم الأيام  موعد مع معركة تصفية حسابات بين ما كانوا أخوة بالأمس، و الذين تسلحوا بخطاب تكذيب ” الشائعات” في مواجهة مطالب شعبية في مجالات الأسعار و الصحة و التعليم. تميز التاجر عمر بالحكمة و قوة التمييز بين الغض و السمين، و ترك الباب مفتوحا أمام أمل قادم. أما أبناء الحكومة التي تدير ما تبقى من أعمال، فإن جلهم الذين سيستمرون في السلطة، فقد حملوا على ظهورهم أسلحة سوف تضرهم لأن مصدرها مساهمة في مشاكل اجتماعية و كوارث إنسانية .