آخر الأخبار

مراكش بسرعتين… تُسرِع للمؤتمرات وتتباطأ أمام الساكنة

«لا يمكن أن يستمر المغرب بسرعتين: سرعة تتقدم، وأخرى تراوح مكانها أو تتراجع».
بهذه العبارة الواضحة والحاسمة، لخّص جلالة الملك محمد السادس في أحد خطاباته جوهر اختلالات التدبير العمومي، واضعاً الإصبع على جرح التفاوت بين ما يُنجز بسرعة وما يُترك رهين البطء والتأجيل. عبارة لا تبدو اليوم مجرد تشخيص عام، بل توصيف دقيق لما تعيشه مدينة مراكش، حيث أصبح الإسفلت نفسه يسير بسرعتين.
ففي المدينة الحمراء، تُنجز بعض الطرق في زمن قياسي حين تكون تحت أنظار العالم، بينما تتعثر أخرى، وتغرق في الحفر والتأخير، رغم رصد ملايين الدراهم لها. الفرق لا يكمن في طول الشوارع ولا في موقعها، بل في منطق التدبير: منطق الاستعجال الظرفي، مقابل منطق التراخي اليومي.


هذا الواقع أعاد المستشار الجماعي هاني فتح الله، عضو مقاطعة جيليز، وضعه في صلب النقاش العمومي، ليس عبر خطاب سياسي إنشائي، بل من خلال أرقام صادمة تُحرج التدبير قبل أن تُقنع الرأي العام.
فحسب المعطيات التي كشفها، فإن تهيئة شارع عبد الكريم الخطابي، بطول يقارب سبعة كيلومترات، أُنجزت في ظرف شهر واحد فقط، وبميزانية لم تتجاوز 80 مليون درهم، وذلك قبيل انعقاد مؤتمر البنك وصندوق النقد الدوليين، في سباق مع الزمن نجح تقنياً، لكنه يطرح سياسياً أكثر من علامة استفهام.
في المقابل، يشير المستشار إلى أن تهيئة شارعي علال الفاسي والأمير مولاي عبد الله، بطول مماثل تقريباً، تجاوزت كلفتها 224 مليون درهم بعد احتساب تحويل الشبكات وتهيئة المساحات الخضراء، دون أن تنتهي الأشغال بعد مرور أزيد من ستة أشهر، وسط معاناة يومية للساكنة بسبب الحفر، والاختناق المروري، وتعطيل الحركة التجارية. هنا، لا يمكن الحديث عن تفاصيل تقنية معزولة، بل عن خلل بنيوي في منطق التدبير وتفاوت غير مبرر في النجاعة.
ولم يتوقف هذا الخلل عند الطرق فقط. فقد سبق للمستشار الجماعي نفسه أن أثار، في الأيام القليلة الماضية، ملف صفقة تهيئة المساحات الخضراء بشارعي علال الفاسي والأمير مولاي عبد الله، وهي صفقة عمومية ناهزت كلفتها سبعة ملايير سنتيم، وحدد لها أجل إنجاز لا يتجاوز ستة أشهر منذ الإعلان عن الشركة الفائزة. غير أن الواقع الميداني لا يعكس سوى غرس محدود لأشجار متفرقة، دون أن تظهر ملامح مشروع متكامل يوازي حجم الاعتمادات المرصودة ولا الالتزامات التعاقدية.
وهنا يعود سؤال الخطاب الملكي ليُفرض من جديد:
هل نحن أمام مدينة تسير بسرعتين؟
سرعة قصوى حين تكون مراكش واجهة دولية، وبطء ثقيل حين يتعلق الأمر بحقوق الساكنة اليومية؟
ان الملايين التي تُصرف من المال العام ليست مجرد أرقام في دفاتر الصفقات، بل مسؤولية سياسية كاملة. وكل تأخير غير مبرر، وكل مشروع يُنجز بنصف نفس، هو إخلال بثقة المواطنين قبل أن يكون تعثراً تقنياً.
الساكنة لا تطالب بمعجزات، بل بعدالة في الإنجاز، واحترام للآجال التعاقدية، وربط واضح بين صرف الملايين ونتائج ملموسة على الأرض. فمراكش ليست مدينة مناسبات ولا واجهة ظرفية، بل مدينة يعيش فيها المواطن يومياً آثار القرارات والصفقات.
كل درهم يُصرف دون أثر، وكل شهر تأخير دون مبرر، هو فشل سياسي قبل أن يكون تعثراً تقنياً. وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما شدد على ذلك جلالة الملك، لم يعد خياراً، بل ضرورة لضمان أن تسير المدينة بسرعة واحدة… سرعة المواطن.