آخر الأخبار

فسخ الصفقات العمومية… حين يتحول القانون إلى طريق ملتوية لإعادة توزيع المشاريع

في ظاهر النصوص القانونية، يبدو قرار فسخ الصفقات العمومية إجراءً إدارياً عادياً يهدف إلى حماية المال العام وضمان احترام المتعاقدين لالتزاماتهم. غير أن ما يجري أحياناً في كواليس تدبير بعض المشاريع العمومية يكشف عن صورة أكثر تعقيداً: مسطرة قانونية قد تتحول، في حالات معينة، إلى أداة لإعادة ترتيب الصفقات ورفع كلفتها النهائية على حساب خزينة الدولة.

القانون المنظم للصفقات، كما يحدده المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية، ينص بوضوح على أن فسخ العقد لا يتم بشكل اعتباطي، بل بعد توجيه إنذار رسمي للمتعاقد ومنحه أجلاً لتدارك الاختلالات. غير أن تتبع عدد من المشاريع العمومية يبين أن هذه المسطرة لا تطبق دائماً بالصرامة نفسها.

من الإنذار إلى الفسخ… أين تبدأ الشبهة؟

في بعض الحالات، يتم التغاضي عن تأخرات كبيرة في الأشغال أو اختلالات تقنية واضحة، دون أن تتحرك الإدارة إلا بعد مرور وقت طويل. وفي حالات أخرى، يتم تفعيل مسطرة الفسخ بسرعة لافتة، وكأن القرار كان ينتظر فقط اللحظة المناسبة.

النتيجة في كثير من الأحيان تكون واحدة:

فسخ الصفقة… ثم إعادة طرحها من جديد.

وهنا تبدأ الأسئلة الصعبة:

هل يتعلق الأمر فقط بإجراء إداري مشروع؟ أم أن الفسخ قد يتحول أحياناً إلى وسيلة لإعادة توزيع المشاريع بين مقاولين آخرين؟

الفسخ… والارتفاع المفاجئ في كلفة المشاريع

المفارقة أن فسخ الصفقة لا يعني دائماً توفير المال العام، بل قد يؤدي إلى العكس تماماً. فبعد فسخ العقد، تضطر الإدارة في كثير من الحالات إلى إطلاق صفقة جديدة أو إسناد الأشغال لمقاول آخر بكلفة أعلى، إما بسبب تغير الأسعار أو بسبب التعديلات التقنية التي تطرأ على المشروع.

وبين توقف الأشغال، وإعادة المساطر، وتعويض المقاول الأول في بعض الحالات، ترتفع الكلفة النهائية للمشروع بشكل قد يتجاوز التقديرات الأصلية بكثير.

تقارير الرقابة… إشارات متكررة

تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للمالية سبق أن أشارت في أكثر من مناسبة إلى اختلالات مرتبطة بتتبع تنفيذ الصفقات العمومية، من بينها ضعف المراقبة التقنية وتأخر اتخاذ القرارات، وهي عوامل تفتح الباب أمام تضخم الكلفة وتأخر إنجاز المشاريع.

لكن السؤال الذي يطرحه كثير من المتتبعين ليس فقط حول وجود الاختلالات، بل حول كيفية حدوثها أصلاً داخل منظومة يفترض أنها تخضع لعدة مستويات من الرقابة.

بين النص والواقع

من الناحية القانونية، تبدو منظومة الصفقات العمومية في المغرب محاطة بعدة ضمانات: دفاتر تحملات دقيقة، مساطر إنذار، رقابة مالية وتقنية، وتقارير دورية. غير أن الواقع يبين أن النصوص وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بثقافة حكامة صارمة وربط فعلي للمسؤولية بالمحاسبة.

فالمشكلة ليست دائماً في القوانين، بل في الطريقة التي تُستعمل بها.

السؤال الذي يفرض نفسه

حين تتكرر حالات توقف المشاريع، وفسخ الصفقات، ثم إعادة إطلاقها بكلفة أعلى، يصبح من المشروع طرح سؤال بسيط لكنه مزعج:

هل نحن أمام اختلالات تدبيرية معزولة…أم أمام ثغرات في منظومة الصفقات تسمح بإعادة توزيع المشاريع بطرق غير شفافة؟

في النهاية، المال الذي يُصرف على هذه المشاريع هو مال عمومي، أي مال المواطنين. ولذلك فإن كل درهم يُهدر بسبب سوء التدبير أو ضعف الرقابة لا ينعكس فقط على ميزانية الدولة، بل على جودة الخدمات والبنية التحتية التي ينتظرها المواطن.