عبد الرحيم الضاقية
أطل علينا الباحث عبد الحكيم الزاوي عبر مؤلفه الموسوم ب «في ظلال الماضي» واختار له عنوانا فرعيا «مقالات في النقد والتأويل» هذه العتبة تحيلنا على مضمون النص لكنها تفتح افقا رحبا على أسئلة من شتى الأنواع. وعند الولوج إلى النص نجده يتمفصل بشكل إجمالي إلى لحظتين متداخلتين في الزمن والمكان؛ الأولى فيها تتبع لظلال التاريخ انطلاقا من أُس خلدوني مُقدماتي، ليقطع ما يناهز ستة قرون من المغامرة التأريخية المنفتحة على مرجعيات ورؤى تارة مُمركزة وتارة مُعانقة لهوامش الحدث والتحليل. وفي هذا الخضم يتم الاحتفاء بالتاريخ كممارسة وبنية حاضنة للقاء السوسيولوجيا والتصوف وميكانيكا الحدث وآليات التشكل ضمن منظورات أنثروبولوجية وديداكتكية ومجالية تقودها أسئلة قلقة تراهن على تشبيك المعرفة دون فرزها عن بعضها وبناء «الاستشكال» بدل البحث عن الفضاءات الرحبة. وفي لحظة ثانية ينفتح فيها على تجارب مختلفة بعضها ذو طابع راهن والبعض الآخر يسائل الذات في تجلياتها الفردية والجماعية سواء في توهجها أو في وهنها المزمن أو الطارئ مستعملا آلية التأويل التي تسمح بتبادل المواقع والمراتب.
يفضل الباحث عبد الحكيم الزاوي خوض مناوشات واشتباكات في مواقع مختلفة من مساحات الانهمام الذاتي والموضوعي. لا يطيق الخوض في حرب طاحنة تكون فيها خطوط الجبهة مرسومة على خرائط الصدام. ديدنه التفكير العميق في تجهيز فرق صغيرة من الكوماندوس التي تختار التوقيت وموقع الفعل والاشتباك يكون موضوعه مفهوم أو كاتب أو قضية او اتجاه فكري يتلمس الطريق نحو أهداف بعينها دون ضجيج. قد تكون المعركة طويلة في الزمن، وقد تكون متقطعة، لكنها في جميع الأحوال باهظة الثمن على مستوى الفكر والوجدان. تُفضي في غالب الأحيان إلى مقالة معصورة الأجنحة، مخضبة بمداد من مختلف الألوان والأحجام، مرتبة الأهداب حاملة لنذوب المعركة التي تتحول الى تقارير حربية تترك آثارها على الجسد والروح. وهذا ما عبر عنه في المقدمة حين قال «ماذا يقترح الكتاب؟ يدعو القارئ إلى أن يكون مُنصتاً بوعي إلى تعدد الأصوات التي اعتملت في العملية التاريخية، وأن يشحذ تفكيره في اتجاه تفجير الأسئلة وتوليد الإشكالات أكثر من اهتمامه باستعادة وإعادة إنتاج المرويات وتعقب السير والبطولات والملاحم.». كثيرا ما يشعر عبد الحكيم الزاوي بالتعب أمام هذه الاشتباكات المسترسلة، لذا نجده ينسحب منها في خلوات محسوبة نحو الجبل (وتلك قصة أخرى) والهدوء تارة، ونحو الشاطئ الهادر تارة أخرى، بل في إحدى الخلوات قرر الهروب بعيدا وتخفى في زي صحراوي عانق فيها فضاء النجمة والرمال ظانا منه أن لا أحد سيتعرف عليه. لكن في قيسارية بيع الأثواب انكشف أمره وردته الذاكرة والجذور من حيث أتى فعاد سريعا للخيمة وجمعها وقفل راجعا فجرا إلى ساحات المعارك الاعتيادية. إن الكثير من المقالات التي ازدان بها هذا المؤلف هي أشبه بتقارير حربية، تضع بين ايدي القارئ الهدف والخطة والمعركة والغنائم وكذا المحاذير والهزائم. إنها زفرات متتالية على شكل وثائق تُرفع عنها السرية في غسق الليل بعد أن تدخل أطراف الصراع في هدنة مؤقتة، أو توقع على معاهدة صلح. والجميل عند الزاوي هو وعيه بهذه الوضعيات المركبة التي يمنح نفسه لها في كل محطة من محطات الاشتباك، لذا نجده يختم كتابه بتوصيف يقول فيه أن «رحلة الكتاب هي درس وجودي في التراكب والتدافع، ودرس في التفاعل الحي، وأيضاً درس في التفاوض الدائم والحيوي حول تفاوض الأجيال على تجديد الدلالات والمعاني، وليس مجالاً للمحاكمة وتصفية الحسابات ورسماً لتفوق جنس على آخر».
يذكر أن عبد الكريم الزاوي أستاذ حاصل على دكتوراه الدولة في التاريخ، وعنصر فاعل ونشيط في الحركة الثقافية والابداعية على مستوى محلي ووطني ودولي. له حضور إعلامي قوي في الصحافة الوطنية وفي المجلات المتخصصة والمؤلفات الجماعية عبر مقالات ودراسات ذات أبعاد متنوعة ورصينة. أما على المستوى المهني له حضور لافت في محطات إصلاح المدرسة ولجان التقويم والانتقاء والتكوين أثناء الخدمة للأطر التعليمية.
