امبارك الگنوني
“L’offrande” أو”التقدمة” هو اسم اللوحة التي بيعت بأكثر من 466 ألف يورو قبل ست سنوات. كان رسامها، عباس صلادي،الذي كان يبيع روائعه بعشرين درهمًا، وقد تعرض للسرقة من قبل بعض خبراء الفن في مراكش. كل عام، أُحيي ذكراه بعد وفاته، وأُدين ستة فنانين مزيفين – كتّاب وشعراء (ثلاثة متوفين وثلاثة على قيد الحياة) – سرقوا أعمال هذا الفنان صاحب الرؤية الثاقبة بلا خجل، ظانين أنهم قادرون على دفنه في غياهب النسيان.
أبصر النور في صباح خريفي من عام 1950، ورحل بهدوء، دون أن يودعنا، بعد 42 عامًا. عانى عباس صلادي من طفولة صعبة، إذ فقد والده في الرابعة من عمره. ورغم كل الصعاب، استطاع الحصول على شهادة البكالوريا ومواصلة دراسته في الفلسفة. ثم مرض ودخل الجناح النفسي للدكتور المراكشي الطيب شكيلي، الذي زوّده بجميع مواد الرسم اللازمة – كنوع من العلاج. ويستند عالم سالادي الفني على الحدس والأسطورة والرمزية والحكايات.
يستند عالم سالادي الفني إلى الحدس والأساطير والرموز والحكايات. وبصفته عاشقًا شغوفًا لساحة جامع الفنا، استلهم سالادي من صور قديمة تُصوّر حواء وآدم وشجرة التفاح المحرمة، وسيدنا علي في مبارزة مع الغول. وتُشكّل العُري والطيور وأسطح المساجد والشموع والنساء المُتّخذات على هيئة أغصان عناصر أساسية في أعمال هذا الفنان صاحب الرؤية الثاقبة. عاش سالادي في عالمه الخاص، عالم سحري غامض؛ تحكي أعماله قصةً بالصور، نوعًا من السرد التصويري حيث يمتزج الساذج بالسريالي. يُقدّم كل عمل فكرةً مُحدّدة: بشر على وشك التحوّل إلى نباتات؛ واحات مسحورة، أراضٍ مجهولة – كل شيء في تحوّل دائم. صاغت تجربة سالادي التصويرية لغةً نقيةً تنطلق منها الشرارة الشعرية. يرسم الكون كما يولد، كونٌ يحمل في طياته اعترافًا، خيالًا ثلاثي الأبعاد: الطبيعة الأبدية، وعالم التحولات، والنور. في عالم سالادي، كل شيء يشير إلى الأحلام، لا الكوابيس. بالنسبة له، الرسم صراعٌ ضد الجنون والموت، ووسيلةٌ للتحرر من براثن الاكتئاب الناجم عن طفولةٍ مضطربة.
هذا الرسام العظيم، الذي وُلد في ساحة مسجد سيدي بلعباس، على بُعد 200 متر من حيّي، ثم في الداوديات، عاش حياته كلها في فقر مدقع. ولإعالة أسرته، كان يبيع روائعه بثمن بخس في ساحة جامع الفنا. سيبقى سالادي خالداً في اللبلاب الذي غرسه، وفي الريش الذي رتبه، وفي الأجساد التي نحتها. سيبقى رمزاً في ذاكرة الزمن التي لا تُمحى، وستُطارد روحه الساحرة في نهاية المطاف أولئك الذين اغتنموا الفرصة بسرقة أعماله.
