“دعونا ننسى أخطاء الماضي ونبدأ في الأخطاء الجديدة.”
هكذا يفتتح المرشحون موسم الانتخابات، وكأن الوطن مجرد مختبر مفتوح لاختبار نظريات الفشل المتجدّد.
لكن الأجمل من الخطأ نفسه هو مسرحية تبادل التهم: المعارضة تلوم الأغلبية على أخطاء البارحة، والأغلبية تردّ ببرود: “وأنتم، حين كنتم في السلطة، ابتكرتم أخطاء أشد مرارة!” فتتحول السياسة إلى مباراة بهلوانية: من يملك الرصيد الأكبر من الإخفاقات؟
الأغلبية تعدنا دائمًا بفتح صفحة جديدة… لا لتكتب فيها إنجازًا، بل لتملأها بخطأ آخر. والمعارضة تصرخ من المقاعد الخلفية: “كفانا من أخطائكم!”، بينما هي تُشحذ أقلامها استعدادًا لتوقيع الأخطاء القادمة، متى حلّ دورها في الكعكة.
لقد صار الخطأ عندنا قضية وطنية جامعة. إنه النقطة الوحيدة التي تلتقي عندها الأغلبية والمعارضة: الأولى تمارسه، والثانية تترقب دورها لممارسته باسم “التناوب”. تمامًا كما يتناوب لاعبو كرة القدم على إهدار نفس ضربة الجزاء.
وفي النهاية، المواطن هو الحكم الذي لا يُستشار، والجمهور الذي لا يغادر المدرجات. يدفع ثمن التذكرة (ضرائب، غلاء، وعود كاذبة)، ليشاهد نفس المباراة المملة: نفس الوجوه، نفس الشعارات، نفس الصراخ… ونفس الهدف الوحيد: إصابة الوطن بخطأ جديد.
باختصار، نحن شعب يعيش ديمقراطية مقلوبة: فيها الأغلبية تتفنن في صناعة الأخطاء، والمعارضة تتفنن في انتقادها… إلى أن تستلم المشعل، فتبدع بدورها في أخطاء أشد “إثارة”.
هكذا صارت السياسة عندنا: سوقًا للأخطاء بالتناوب، بفاتورة واحدة تُرسل دائمًا إلى جيب المواطن.