آخر الأخبار

سبتة و مليلية عندما يتحول التضامن الاوربي الى تحالف جيوستراتيجي ـ 3 ـ

البرلمان الأوروبي ليس الاتحاد الأوروبي كله

وهنا ينبغي تسجيل تمييز بالغ الأهمية حتى لا نعطي القرار حجماً قانونياً أكبر من حجمه الفعلي. ما صدر يوم 17 شتنبر هو قرار للبرلمان الأوروبي. والبرلمان مؤسسة أساسية من مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وقراراته تحمل وزناً سياسياً ومؤسساتياً لا يجوز التقليل منه. لكنه ليس المجلس الأوروبي، وليس مجلس الاتحاد الأوروبي، وليس المفوضية الأوروبية.

كما أن القرار المعني يندرج ضمن القرارات السياسية المتعلقة بالقضايا الراهنة، وليس تشريعاً أوروبياً يغير بذاته الوضع القانوني للمدينتين.

لذلك ينبغي التمييز بين موقف سياسي للبرلمان الأوروبي وبين موقف قانوني موحد للاتحاد الأوروبي بكل مؤسساته ودوله الأعضاء.

وهذا التمييز لا يقلل من أهمية القرار. بل يسمح بتحديد مكمن خطورته بدقة أكبر.

فالخطر قد لا يكون في أثر قانوني مباشر، وإنما في قدرة اللغة السياسية على الانتقال تدريجياً من مؤسسة إلى أخرى، ومن وثيقة إلى أخرى، حتى تتحول بالتراكم إلى مرجعية أوروبية مستقرة.

الخطر الحقيقي: صناعة الأمر الواقع الدبلوماسي

في العلاقات الدولية لا تصنع المواقف الكبرى دائماً بقرار واحد. أحياناً تبدأ بعبارة. ثم تتكرر العبارة في تقرير ثان. ثم يستشهد تقرير جديد بالقرار السابق. وبمرور السنوات يصبح ما كان موقفاً سياسياً ظرفياً مرجعية تستند إليها المؤسسات في وثائقها اللاحقة.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فأحداث يوليوز ستنتهي آثارها المباشرة عاجلاً أم آجلاً. أما المفاهيم التي دخلت الوثائق المؤسساتية فقد تبقى: الحرب الهجينة، الوحدة الترابية، الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

ثم يمكن أن تنشأ بينها تدريجياً علاقة سببية في الخطاب السياسي: حدود أوروبية، تعرضت لحرب هجينة، دفاعاً عن وحدة ترابية إسبانية.

وحين يستقر هذا البناء المفاهيمي يصبح الانتقال من إدارة واقع قائم إلى إضفاء شرعية سياسية متراكمة عليه أكثر سهولة.

لهذا فإن الصمت لا يعني قانونياً القبول، لكنه قد يصبح مكلفاً سياسياً. ففي العلاقات الدولية لا يكفي أن يكون للدولة موقف. بل ينبغي أيضاً أن تحافظ على حضور ذلك الموقف في الذاكرة المؤسساتية لشركائها.

لا الصمت ولا التصعيد

ومع ذلك، لا ينبغي أن يقود هذا التحليل إلى نتيجة خاطئة مفادها أن البديل الوحيد للصمت هو التصعيد. فالاختيار ليس بين السكوت والأزمة. هناك مساحة واسعة بينهما اسمها الدبلوماسية. والمغرب ليس مضطراً إلى هدم شراكته مع إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي حتى يؤكد موقفه.

 كما أن التعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر وحماية الأرواح والأمن الإقليمي لا ينبغي أن يتحول إلى ضحية للخلاف حول السيادة.

لكن التعاون شيء، والتخلي عن حق التعبير عن الموقف شيء آخر. ويمكن للمغرب أن يطلب توضيح الأساس الواقعي الذي استند إليه استعمال مفهوم بالغ الخطورة مثل «الحرب الهجينة»، وأن يميز بين المسؤولية عن تدبير أزمة الهجرة وبين الموقف من السيادة، وأن يواصل التعاون الأمني والإنساني، وفي الوقت نفسه يسجل بوضوح تحفظه على تحويل الوضع القائم إلى حقيقة سياسية غير قابلة للنقاش.

إنها معادلة دقيقة. لكن الدبلوماسية توجد تحديداً لإدارة المعادلات الدقيقة.

حين تصبح إدارة الزمن جزءاً من القضية

إن أخطر ما في قرار البرلمان الأوروبي، من هذا المنظور، قد لا يكون أثره القانوني المباشر، وإنما ما يمكن أن يؤسس له بالتراكم.

فأزمة الهجرة عابرة. أما المفاهيم التي تدخل الوثائق المؤسساتية فقد تبقى: «الحرب الهجينة»، «الوحدة الترابية»، «السيادة»، و«الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي».

وإذا تكررت هذه المفاهيم دون أن تقابلها رواية مغربية واضحة، فقد يتحول الوضع القائم تدريجياً من واقع تديره إسبانيا إلى مرجعية سياسية أوروبية مستقرة.

وهنا ينتقل السؤال من أوروبا إلى المغرب نفسه. فإذا كانت قواعد الخطاب الإسباني والأوروبي حول سبتة ومليلية تتغير، فهل ينبغي أن تبقى قواعد إدارة المغرب للملف كما كانت؟ وهل يكفي الحفاظ على الموقف التاريخي، أم أن اللحظة تستدعي إعادة التفكير في طريقة حضوره الدبلوماسي والقانوني والأكاديمي؟ إنه سؤال لا يتعلق بالتصعيد. بل يتعلق بالزمن الاستراتيجي. متى يكون الصبر حكمة، ومتى يصبح إدراك اللحظة المناسبة جزءاً من الحكمة نفسها؟

هنا ينتهي التشخيص. ومن هنا أيضاً يبدأ السؤال الذي سنحاول مقاربته في المقال الثاني: سبتة ومليلية: من المِيتيس إلى الكايروس؟