جرى نقل الشاب أمين بوسعادة، الذي تعرّض لإصابة خطيرة في ساقه خلال أحداث الشغب بمدينة وجدة، إلى المستشفى العسكري بالرباط على متن طائرة تابعة للدرك الملكي لاستكمال العلاج. غير أن هذا القرار الطبي/الأمني يفتح الباب أمام سؤال عميق: لماذا تُضطر مدينة كبرى مثل وجدة إلى إرسال أبنائها مئات الكيلومترات من أجل علاجٍ متخصّص؟
وجدة.. مدينة بلا مستشفى يليق بأهلها
وجدة ليست بلدة صغيرة على هامش الخريطة، إنها مركز حيوي في شرق المغرب بعمقه التاريخي والبشري. ومع ذلك، يظل أبناؤها في الحالات الحرجة أسرى رحلة شاقة نحو الرباط أو الدار البيضاء. هنا يظهر وجهٌ آخر للتفاوت المجالي: حيث تُركّز الدولة البنية التحتية الطبية المتقدّمة في العاصمة والمدن الكبرى، وتُترك الهوامش لمصير أقل من الحد الأدنى.
احتجاجات تتجاوز وجدة
ما وقع في وجدة ليس استثناءً؛ فقد شهدت مدن أخرى، أصغر حجماً وأقل موارد، موجات غضب مشابهة أو أشدّ حدّة. وهذا يعني أن المسألة لم تعد مرتبطة بحادث عابر أو ظرف محلي، بل تعكس حالة استياء عميقة لدى شريحة واسعة من الشباب. شباب فقدوا الثقة في وعود المستقبل، ويرون أن وطنهم لا يمنحهم إلا الهشاشة والانتظار.
غضب جيل Z.. ليس سياسة بل حياة يومية
حين ننظر إلى موجة احتجاجات “جيل Z”، نفهم أن الأمر لا يتعلّق بشعارات حزبية أو رهانات سياسية ضيقة. إنّه صرخة جيل يريد شروط حياة كريمة: مستشفى يعالج دون إذلال، مدرسة تفتح أبواب الأمل، فرصة عمل تضمن الكرامة، ومدينة تمنح معنى للبقاء.
أمين لم ينزل إلى الشارع ليطالب بامتياز سياسي، بل ليعبّر عن غضب مشترك يتراكم منذ سنوات. غضب من واقع يرونه غير عادل، ومن مؤسسات لم تعد قادرة على إقناعهم بأن الغد سيكون أفضل.
من وصف “أحداث شغب” إلى قراءة رسائلها
صحيح أن بعض الاحتجاجات انزلقت إلى العنف والتخريب، لكن الاكتفاء بوصفها “شغباً” يُضيّع علينا فرصة الإصغاء لجوهر الأزمة. أحداث وجدة وغيرها ليست مجرد حجارة مرفوعة، بل رسالة مكتوبة بدماء الجرحى وحنق المهمّشين: لا نريد أكثر من حقّنا في عيشٍ كريم داخل مدننا.
الخلاصة: جرح أمين جرح جيل
إصابة أمين بوسعادة ليست حادثة فردية معزولة، بل جرحٌ جماعي يعكس حال جيل كامل. جيل يُحب وطنه، لكنه يجد نفسه مضطراً إلى الصراخ أو التفكير في الرحيل كي يثبت أنه موجود.
إذا كانت أرجل الشباب تُكسر في الشوارع ثم تُنقل إلى مستشفيات العاصمة للعلاج، فذلك يعني أن الخلل ليس في أجسادهم بل في جسد الوطن نفسه. إصلاح هذا الخلل يبدأ من الاعتراف بأن الحد الأدنى من الكرامة حق لكل مدينة ولكل شاب، لا امتيازاً يُمنح للبعض ويحرم منه الآخرون.
