مالية مراكش: حين تُدار الجماعة بالغياب… وتُسوَّق الأرقام لتغطية الفشل السياسي .
ما جرى يوم 16 أبريل 2026 بمركز عبد الله العروي في مراكش، تحت عنوان “مالية جماعة مراكش: الواقع والتحديات”، لم يكن لقاءً تواصليًا بقدر ما كان تمرينًا مكشوفًا على تضليل الرأي العام. فالواقع لم يُناقش، والتحديات لم تُفكك، والمالية لم تُحاسب؛ بل جرى الاكتفاء بعرض سياسي مُعلّب هدفه الوحيد هو تلميع صورة مجلس غائب عن المدينة، وعن مسؤولياته، وعن مواطنيه.
فاطمة الزهراء المنصوري، بصفتها عمدة المدينة والآمرة بالصرف، اختارت الغياب مرة أخرى، مفضّلة تدبير مالية مراكش من الرباط. غياب سياسي لا يمكن فصله عن نمط تدبير قائم على الابتعاد عن المساءلة، وتفريغ المسؤولية من مضمونها. أما الدعوة إلى اللقاء، فلم تصدر عن مؤسسة منتخبة ولا عن رئاسة المجلس، بل جاءت عبر رسالة صوتية على “واتساب” من مديرة ديوان العمدة، في سابقة تختزل مستوى الاستخفاف بالعمل المؤسساتي وبالمال العام.
وإذا كانت العمدة غائبة، فإن النائب المفوض له مداخيل الجماعة، أشرف برزوق، يزاول مهامه من مدينة فاس، ولا يحضر إلى مراكش إلا في عطلة نهاية الأسبوع. وهو ما يطرح سؤالًا مباشرًا: كيف يمكن لمن لا يوجد بالمدينة أن يرفع مداخيلها؟ وكيف يُمارَس التفويض خارج المجال الترابي؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية عن هذا العبث؟
داخل الجماعة، لم يبق من التدبير سوى مديرة الديوان ومدير المصالح، بعدما جُرِّد العمل الجماعي من بعده السياسي. أما نواب العمدة، فقد اختار سبعة من أصل عشرة الغياب الكامل عن لقاء يفترض أنه يناقش أخطر ملف في التدبير المحلي. أغلبية صامتة، متواطئة بالغياب، تؤكد أن التحالف المسير لم يعد معنيًا لا بالمساءلة ولا بالشفافية.
ثلاث ساعات خجولة خُصصت لمالية مدينة بحجم مراكش. لا يوم دراسي، لا تقييم، لا أرقام مفصلة، ولا نقاش عمومي. النتيجة كانت قاعة شبه فارغة، وكراسٍ زرقاء أكثر التزامًا من المنتخبين. ورغم ذلك، جرى الاكتفاء بتأمين “نصاب بصري” من بعض مناضلي الحزب القائد للأغلبية، فقط لالتقاط الصور وبناء وهم النجاح.
أما على مستوى الأرقام، فقد قدّم النائب المفوض له المداخيل خطابًا دعائيًا، متحدثًا عن ارتفاع ميزانية الجماعة بنسبة 53% بين 2021 و2025، في محاولة مكشوفة لتسويق “إنجاز” وهمي. غير أن هذا الرقم مضلل سياسيًا، لأنه يتجاهل أن سنة 2021 كانت سنة خروج المدينة من جائحة كورونا، بعد انهيار شبه كلي للحركية الاقتصادية. المقارنة السليمة تفرض العودة إلى سنة 2019، قبل الجائحة، لكن ذلك لم يحدث، لأن الحقيقة لا تخدم السردية الرسمية.
وحين تفشل الأرقام في الإقناع، يُستدعى خلط الأوراش. مشاريع وطنية كبرى—ككأس إفريقيا، ومؤتمر صندوق النقد الدولي، وفعاليات الانتربول—تُقدَّم للرأي العام على أنها إنجازات للمجلس الجماعي، في تضليل فجّ، رغم أنها مشاريع أُنجزت في إطار رؤية ملكية متبصرة وبتمويلات وطنية مركزية، لا علاقة لها بقدرة جماعة مراكش ولا بميزانيتها الهشة.
في المقابل، تعيش أحياء المقاطعات الخمس واقعًا مختلفًا: إنارة عمومية ضعيفة، بنية تحتية هشة، مرافق اجتماعية وتعليمية متدهورة، وخدمات لا ترقى إلى مستوى مدينة تُسوَّق كواجهة وطنية ودولية.
الخلاصة السياسية
من 984 مليون درهم سنة 2021 إلى 1435 مليون درهم سنة 2025، زيادة رقمية بلا أثر اجتماعي، وبلا انعكاس ملموس على حياة المراكشيين. أرقام تُستعمل كغطاء، لا كأداة تقييم.
هكذا تُدار مالية مراكش اليوم :
عمدة غائبة، نواب متوارون، أرقام مُسوَّقة، ومجلس يتهرب من المحاسبة.
ليست أزمة تواصل، بل أزمة حكامة ومسؤولية سياسية كاملة، تُدار بالغياب، وتُبرَّر بالأرقام، وتُفرض على مدينة تستحق أكثر من رسائل صوتية على واتساب.
