ليس كل ما ينشر يعد صحافة. فهناك نصوص تكفي قراءة بضعة أسطر منها ليدرك القارئ أنه أمام مادة لا ترقى حتى إلى الحد الأدنى من الكتابة الصحفية. والمقال موضوع النقاش نموذج واضح لذلك: أخطاء إملائية بالجملة، تراكيب لغوية مرتبكة، وجمل متعثرة بالكاد تستقيم في معناها، وأفكار متداخلة لا يجمع بينها سوى خيط واحد رفيع… محاولة يائسة لتلميع صورة سياسية.
فالصحافة، قبل أن تكون موقفا أو رأيا، هي أولا احترام للغة ولعقل القارئ. أما حين يتحول النص إلى خليط من الركاكة والتكرار والخلط بين الخبر والدعاية، فإن الإشكال لا يعود فقط في مضمون المقال، بل في المستوى المهني لمن كتبه ومن اختار نشره. فالدفاع عن المسؤولين حق، لكن حتى الدفاع يحتاج إلى حد أدنى من المهنية واللغة السليمة.
والمفارقة أن المقال يحاول إقناع القارئ بأن كل انتقاد موجه لتدبير الشأن المحلي ليس سوى “حسد سياسي” أو “حملة من الخصوم”. غير أن أول ما يلفت الانتباه ليس قوة الحجة، بل هشاشة النص نفسه. فلو كان الهدف الدفاع عن تجربة تدبيرية، لكان الأولى تقديم معطيات واضحة وأرقام دقيقة وحجج مقنعة، لا الغرق في خطاب تمجيدي يفتقر حتى إلى أبسط قواعد الصياغة الصحفية.
الأكثر إثارة للانتباه أن هذا النص لم يجد طريقه إلا إلى منبر واحد سقط سهوا على ميدان الصحافة. فلو كان للنص حد أدنى من المعايير المهنية، لما مرّ بكل تلك الأخطاء دون مراجعة أو تحرير. لكن حين يكون الهدف هو نشر خطاب دفاعي بأي شكل كان، تصبح قواعد التحرير واللغة آخر ما يفكر فيه.
بل إن القارئ قد يعذر إن اعتقد أنه أمام بيان دعائي أكثر منه مادة صحفية. فالنص لا يناقش الوقائع ولا يقدم معطيات، بل يكتفي بإعادة إنتاج خطاب تمجيدي مكرر، وكأن مهمة الصحافة تحولت من مساءلة المسؤولين إلى التسويق لهم.
ثم إن الصورة تزداد وضوحا حين يتعلق الأمر بمنبر استفاد، ولا يزال، من حصص الإشهار العمومي المرتبط بالقطاع الوزاري الذي تشرف عليه السيدة المعنية. فالإشهار العمومي، في الأصل، وسيلة للتواصل المؤسساتي مع المواطنين، لا أداة لتلميع الصور السياسية أو تمويل مقالات التمجيد المقنعة بلباس “الصحافة”. وعندما يتزامن سيل الإعلانات مع سيل المقالات الدفاعية، يصبح من حق القارئ أن يتساءل: هل نحن أمام ممارسة إعلامية مستقلة… أم أمام علاقة تبادل خدمات معروفة؟
فالصحافة ليست منصة للتصفيق، ولا مجالا لتحويل المهنة إلى وسيلة للبحث عن القرب من مراكز القرار أو استدرار الامتيازات. هذه المهنة التي سميت عبر التاريخ “مهنة المتاعب” لم تخلق لتكون مهنة للارتزاق أو للتلميع، بل فضاء للمساءلة والنقد ونقل الحقيقة، حتى وإن كان ذلك مزعجا لمن يوجدون في موقع المسؤولية.
وفي النهاية، قد يختلف الناس حول السياسات أو طرق التدبير، لكنهم يتفقون عادة على شيء واحد: أن مستوى المقال غالبا ما يعكس مستوى من كتبه ومن طلب نشره. ولذلك، فإن النص المذكور لم ينجح في الدفاع عما أراد الدفاع عنه بقدر ما كشف ببساطة مستوى الخطاب الذي يقف خلفه… وكأن المثل العربي القديم ينطبق عليه تماما: “وافق شن طبقه”.
بين الإشهار العمومي ومقالات التلميع… حين تختلط الصحافة بالارتزاق
