تخلد الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إلى جانب الحركة الحقوقية والديمقراطية العالمية، اليوم العالمي لحقوق المرأة تحت شعار: “نساء في مواجهة الاحتلال والاستغلال والقمع والتفقير وسوء تدبير الكوارث الطبيعية “؛ وذلك في سياق دولي ووطني يتسم بتراجعات خطيرة في مجال حقوق الإنسان عامة وحقوق النساء خاصة.
على المستوى الدولي والإقليمي:
تتعرض النساء عموما، في البلدان التي تتجذر فيها العقلية والثقافة الذكورية، للتمييز واللامساواة وللانتقاص من جل حقوقهن على أساس النوع. كما أن انتهاك القوى الإمبريالية لحقوق الشعوب، سواء في دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط، وتدخلها الصارخ بالقوة العارية في شؤونها، بهدف السيطرة على مواردها وثرواتها واحلال أنظمة موالية لها بها؛ غالبا ما يفضي، بدرجة أولى، إلى جعل النساء يقعن ضحية لأبشع أنواع الجرائم من قتل، وعنف، واغتصاب، واختطاف، واسترقاق جنسي، وحرمان من أبسط مستلزمات شروط العيش، لا سيما في مناطق الحروب والنزاعات؛ كما هو الشأن بالنسبة للنتائج الوخيمة والحصيلة المكلفة لجرائم الإبادة والتطهير العرقي في غزة، والهجومات المتتالية على لبنان، والعدوان الصهيوني الامبريالي الأمريكي الغاشم على إيران ، ودوامة الحرب الداخلية المتوالدة في السودان.
على المستوى الوطني:
ما انفك العنف القائم على النوع ضد النساء يتضاعف على جميع المستويات، نتيجة استمرار الدولة في إجهازها على حقوق المواطنات والمواطنين، مما وسع من دائرة الفقر والتهميش والأمية والعطالة، ورفع من وتيرة الاعتداء على النساء وجرائم القتل في صفوفهن. وقد فاقمت الظروف المناخية والفيضانات الأخيرة، وسوء تدبيرها، من تعميق معاناة النساء والأسر المتضررة، لتنضاف هي الأخرى إلى الوضعية الكارثية التي لا زالت تعيشها نساء ضحايا زلزال الحوز وأسرهن، والنساء ضحايا الهدم ونزع الأراضي…
وفي مجال الشغل تستمر الانتهاكات الشغلية للعاملات، خصوصا تعريضهن للتسريحات الجماعية، وعدم صرف الأجور، رغم الاحتجاجات والاعتصامات (عاملات سيكوميك، عاملات النسيج بطنجة والدار البيضاء وفاس، عاملات النظافة والعاملات الزراعيات اللواتي يشتغلن في ظروف قاسية).
ويترافق هذا، على مستوى الحقوق المدنية والسياسية، مع مواصلة الدولة المغربية تضييقها على المدافعات على حقوق الإنسان، وتكميم الأفواه، ومصادرة حرية الرأي والتعبير، واعتقال ومتابعة مجموعة من المناضلات؛ فيما تؤكد كل المؤشرات تشريعيا، على التراجع الخطير في مجال إقرار العدالة والمساواة. فبينما جاءت التعديلات المدخلة مؤخرا على المسطرة الجنائية مخيبة لآمال الحركة الحقوقية والنسائية، يستمر العمل بقانون جنائي لا يستجيب لطموحات النساء، ويتم بالموازاة مع ذلك تعطيل إطلاق مشروع مدونة للأسرة ديمقراطية وعلمانية.
وقد أظهرت النساء، رغم حدة كل الانتهاكات، قدرة كبيرة على التصدي لها، عبر التشبث بحقوقهن والسعي لانتزاع مطالبهن في الكرامة، والحماية الاجتماعية وتحسين ظروف العيش، وتوفير البنيات التحتية وتحسين شروط العمل؛ حيث قادت النساء مسيرات مطلبية في الاطلس المتوسط والاطلس الكبير، وخاضت العاملات الزراعيات اعتصامات واضرابات في منطقة سوس ماسة، وسجلت العاملات منهن في قطاعات إنتاجية أخرى حضورا نضاليا بارزا، وتعرضت البعض من الشابات المشاركات في حراك “جيل Z” للاعتقالات التعسفية والمتابعات القضائية.
وبناء على ما سبق، فإن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهي تستحضر، بمناسبة تخليدها لليوم العالمي لحقوق المرأة، النكوص والردة الحقوقية الجارية وما يصاحبها من إضعاف للآليات الأممية وللمعايير الدولية لحقوق الانسان، تعلن للرأي العالمي والوطني ما يلي:
ـــ ادانتها القوية لجنوح الإمبريالية الأمريكية نحو تقويض المشترك الإنساني والأخلاقي والمعياري في مجال حقوق الانسان، الذي بنته الشعوب بإرادتها ونضالاتها؛
ـــ تحيتها لصمود النساء بفلسطين ولبنان والسودان وإيران، ومطالبتها بإطلاق سراح الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال، وبتوفير الحماية للنساء بالسودان ومناطق النزاع؛
ـــ إدانتها لاغتيال المدافعات عن حقوق النساء، ومنهن الناشطة الحقوقية ينار محمد رئيسة ومؤسسة منظمة حرية المرأة في العراق، التي كرست حياتها لمساعدة الفتيات والنساء المعرضات للعنف والاغتصاب، واغتيلت برصاص مسلحين في بغداد، علما أنها ليست الوحيدة التي تعرضت للتهديد والقتل في ظل غياب قانون للحماية، وسيطرة الميلشيات؛
ـــ تضامنها مع كافة الحركات الاحتجاجية التي تخوضها النساء، بوصفها تعبيرا سلميا عن مطالب مشروعة لضمان الكرامة والعدالة الاجتماعية للمواطنات والمواطنين، وتدعو السلطات المعنية للتجاوب مع كل مطالبها، إعمالا لحقوق الإنسان وفي مقدمتها الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية؛
ـــ تنديدها بالاعتقالات التي طالت مجموعة من المدافعات عن حقوق الإنسان والطالبات وشابات حراك “جيل z” بسبب آرائهن، وممارسة حقهن في الاحتجاج السلمي الذي تضمنه جميع المواثيق الدولية، وتجدد دعوتها إلى إطلاق سراحهن، وسراح جميع المعتقلين على خلفية الاحتجاجات الاجتماعية وإيقاف المتابعة في حقهم /حقهن؛
ـــ مطالبتها الدولة بملاءمة كل القوانين الوطنية مع القوانين الدولية، خاصة مع اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وبتغيير جذري وشامل للقانون الجنائي، وبمسطرة جنائية تحمي حقوق النساء وتضمن المساواة أمام القانون، وبمدونة ديمقراطية علمانية خالية من كل أشكال التمييز وضامنة لحقوق النساء؛
ـــ تضامنها مع النساء ضحايا زلزال الحوز والفيضانات، والنساء ضحايا الهدم ونزع الأراضي، ونساء فكيك في نضالاتهن من أجل الحق في الماء، وعاملات النسيج وكل الكادحات ضحايا الاستغلال.
وفي الأخير، تهيب الجمعية بكافة القوى الديمقراطية والحية إلى توحيد الجهود، للنضال ضد كل أشكال الظلم، والتمييز، والتفقير، والاستغلال وانتهاك الحريات.
