آخر الأخبار

بعد فاجعة آسفي… مدن مغربية مهددة بفيضانات مفاجئة بسبب أودية دُفنت تحت الإسمنت

كشفت الفيضانات التي ضربت مدينة آسفي، في ما عُرف بـ“الأحد الأسود”، عن خطر بنيوي صامت يهدد عدداً من المدن المغربية، حيث لم تعد الكارثة حدثًا استثنائيًا، بل إنذارًا واضحًا لعواقب التوسع العمراني فوق مجاري الأودية وطمس الذاكرة الطبيعية للمجال.

فما جرى في آسفي ليس حالة معزولة، وإنما نموذج قابل للتكرار في مدن أخرى بُنيت فوق نفس الخطأ الجغرافي القاتل: تجاهل الأودية الجافة التي قد تتحول في أي لحظة إلى سيول جارفة. فسنوات الجفاف الطويلة توهم بالأمان، قبل أن تأتي تساقطات استثنائية لتوقظ “وحوشًا مائية” نائمة تحت الزليج والزفت.

في الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية، يرقد وادي بوسكورة تحت الشوارع الواسعة والبنايات الشاهقة، بعد أن تم دفنه وتحويله إلى قنوات تحت أرضية. غير أن مختصين يؤكدون أن الوادي يحتفظ بمساره التاريخي، وقد يعود إلى السطح إذا تجاوزت التساقطات قدرة هذه القنوات، مهددًا قلب المدينة. السيناريو نفسه يتكرر بالمحمدية مع وادي المالح، الذي يشكل خطرًا مضاعفًا بسبب طبيعته المالحة ومروره بمحاذاة منطقة صناعية حساسة.

شمالًا، تعيش تطوان تحت تهديد وادي مرتيل، حيث تزيد الطبيعة الجبلية من خطورة الوضع، إذ تنحدر المياه بقوة من المرتفعات نحو مدينة محصورة بين الجبل والبحر. أما فاس، فرغم رمزيتها التاريخية، فهي بدورها تواجه خطر وادٍ نائم أسفل المدينة العتيقة، تتحول أزقتها الضيقة إلى قنوات ضغط تدفع المياه إلى الأعلى أثناء الفيضانات.

وفي مراكش، يظل وادي إسيل خطرًا موسميًا حقيقيًا، خاصة على الأحياء الشرقية، بعدما يجمع سيول الأطلس الكبير ويوجهها مباشرة نحو النسيج الحضري. وعلى الساحل، تواجه الصويرة تهديد وادي القصب، حيث قد يؤدي التقاء السيول ببحر هائج إلى ارتداد المياه داخل المدينة، بينما تعاني الجديدة من مشكل تشبع التربة وتحول النقاط المنخفضة إلى برك مائية وسط المجال الحضري.

أما الجنوب، من كلميم إلى وديان زيز ودرعة، فيعيش على وقع خطر الأودية الجافة التي تستفيق فجأة مع العواصف الرعدية، لتتحول إلى سيول سريعة ومدمرة، تجرف كل ما يعترض طريقها دون إنذار مسبق.

وتؤكد هذه المعطيات أن مدنًا عديدة تتقاسم المصير الجغرافي نفسه، وأن ما وقع في آسفي قد يتكرر في الدار البيضاء أو فاس أو تطوان أو الجنوب، اليوم أو بعد عقود. فالأودية، وإن صمتت طويلًا، لا تنسى مساراتها.

وأمام هذا الواقع، أضحى احترام حرمة الأودية، ومراجعة اختيارات التعمير، وتعزيز البنيات التحتية وفق معطيات علمية دقيقة، السبيل الوحيد لتفادي كوارث مستقبلية، قبل أن يفرض الماء طريقه بالقوة… كما فعل في آسفي.