اختلاف رفاق الأمس حول بناء مغرب ما بعد الاستقلال
كان حزب الاستقلال منذ تأسيسه سنة 1944 أحد أبرز أطر الحركة الوطنية المغربية، ولعب دورا مركزيا في مقاومة نظام الحماية والمطالبة بالاستقلال. لكن استرجاع السيادة سنة 1956 لم ينه الخلافات داخل الحزب، بل نقلها إلى مرحلة جديدة من الصراع حول سؤال أساسي: كيف ينبغي أن تبنى الدولة المغربية بعد الاستقلال؟ ومن يملك حق توجيه خياراتها السياسية والاقتصادية؟
فالحزب الذي جمع خلال مرحلة النضال الوطني تيارات وشخصيات مختلفة، وجد نفسه بعد الاستقلال أمام واقع جديد: دولة تحتاج إلى بناء مؤسساتها، واقتصاد يحتاج إلى التحرر من الإرث الاستعماري، ومجتمع ينتظر إصلاحات سياسية واجتماعية، وحركة وطنية بدأت تختلف حول موقعها في الدولة الجديدة.
خلاف داخل حزب الاستقلال… واختلاف حول المستقبل
لم يكن الخلاف مجرد صراع شخصي على القيادة، بل تداخلت فيه اعتبارات سياسية وفكرية وتنظيمية واجتماعية، إذ برز من جهة تيار ارتبط بقيادة شخصيات تاريخية مثل علال الفاسي وأحمد بلافريج، بينما برز في الجناح الأكثر يسارية وتقدمية شخصيات مثل المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الله إبراهيم.
ولم تكن الحدود بين الطرفين ثابتة أو بسيطة، فقد كانت هناك اختلافات حول طريقة إدارة الحزب، وعلاقته بالحكومة والمؤسسة الملكية، والسياسة الاقتصادية والاجتماعية، وموقع النقابات والشباب، ومستقبل الدولة المغربية.
وتكشف الصحافة المعاصرة أن التوتر داخل الحزب أصبح واضحا منذ سنة 1958، خصوصا بعد تشكيل حكومة أحمد بلافريج، التي كان حزب الاستقلال ممثلا فيها بقوة، الأمر الذي أثار اعتراض الجناح اليساري داخل الحزب.
سنة 1958: الأزمة الحكومية تتعمق
في مايو 1958 تشكلت حكومة أحمد بلافريج، لكن الخلافات داخل حزب الاستقلال لم تتوقف.
كان الجناح اليساري يرى أن الحزب يجب أن يتحول من حركة وطنية قادت النضال ضد الحماية إلى قوة سياسية قادرة على قيادة التحول الاجتماعي والاقتصادي في المغرب المستقل.
وفي هذا السياق، برزت قضايا أخرى زادت من حدة التوتر، من بينها مستقبل المقاومة وجيش التحرير، والأوضاع الاجتماعية، والتوترات التي شهدتها مناطق مختلفة من البلاد، وفي مقدمتها الريف.
وفي نوفمبر 1958، انتهت تجربة حكومة بلافريج، لتتشكل في 24 ديسمبر 1958 حكومة جديدة برئاسة عبد الله إبراهيم، الذي كان قريبا من التيار التقدمي داخل الحركة الوطنية. وتؤكد المصادر الرسمية المغربية أن حكومة إبراهيم استمرت إلى ماي 1960.
وكان عبد الرحيم بوعبيد نائبا لرئيس المجلس ووزيرا للاقتصاد الوطني والمالية، ما جعل الحكومة مرتبطة بوضوح بالتيار الذي كان يدفع نحو سياسة اقتصادية أكثر استقلالا.
شهدت هذه المرحلة خطوات مهمة في مسار بناء السيادة الاقتصادية والنقدية للمغرب. ففي 30 يونيو 1959 أُنشئ بنك المغرب ليحل محل بنك الدولة، واعتبر إنشاء مؤسسة نقدية وطنية إحدى أبرز خطوات التحرر الاقتصادي بعد الاستقلال.
وفي 17 أكتوبر 1959 أحدث الدرهم المغربي كوحدة نقدية جديدة، ليحل محل الفرنك المغربي ويرتبط ذلك بخروج المغرب من منطقة الفرنك الفرنسية.
وهذه الإجراءات لم تكن مجرد قرارات مالية، بل حملت أيضا دلالة سياسية مرتبطة باستكمال بناء السيادة الوطنية.