3. يناير 1959: الأزمة تتحول إلى انقسام مفتوح
لكن وجود عبد الله إبراهيم على رأس الحكومة لم يضع حدا للصراع داخل حزب الاستقلال. ففي يناير 1959 تصاعد الخلاف بشكل علني، وقاد المهدي بن بركة وعدد من أنصاره داخل الحزب حركة لإعادة تنظيم الحزب وتجديد قيادته.
وفي 25 يناير، عقدت لجان جهوية اجتماعات وصدرت عنها مواقف تنتقد قيادة الحزب وتطالب بتجديد هياكله. وكان بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد ومحجوب بن الصديق من أبرز الأسماء المرتبطة بالتيار الذي أصبح يعرف بالاتجاه اليساري أو “التقدمي” داخل الاستقلال.
وأصبحت القطيعة التنظيمية أقرب إلى الواقع، خصوصا مع استمرار الخلاف بين أنصار علال الفاسي وقيادة الحزب من جهة، وأنصار بن بركة وبوعبيد والتيار اليساري من جهة أخرى.
كما لعب الاتحاد المغربي للشغل دورا مهما في هذه المرحلة، إذ كانت قيادته، وعلى رأسها محجوب بن الصديق، قريبة من التيار الذي كان يدفع نحو إعادة تشكيل الحركة الوطنية على أسس جديدة.
لكن الاتحاد المغربي للشغل كان منظمة نقابية لها استقلالها، ولذلك من الأدق اعتباره سندا نقابيا مهما للتيار المنشق، لا مجرد ذراع حزبية له.
4. 6 سبتمبر 1959: ميلاد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية
بلغت الأزمة ذروتها في 6 سبتمبر 1959 حين انعقد اجتماع تأسيسي في سينما الكواكب بالدار البيضاء، وأعلن عن تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (UNFP).
ولم يكن التنظيم الجديد مجرد خروج مجموعة من حزب الاستقلال، فقد شاركت في تأسيسه عناصر وقواعد جاءت من التيار المنشق عن الاستقلال، إلى جانب شخصيات ومناضلين من حزب الشورى والاستقلال، والحركة الشعبية، والليبراليين المستقلين، والاتحاد المغربي للشغل، واتحاد الشباب، والاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
ومن أبرز الوجوه المرتبطة بالتنظيم الجديد المهدي بن بركة، عبد الرحيم بوعبيد، عبد الله إبراهيم، عبد الرحمن اليوسفي ومحمد البصري، إلى جانب شخصيات أخرى شاركت في مسار تأسيسه.
وهكذا لم يعد الخلاف مجرد أزمة داخل حزب الاستقلال، بل أصبح إعادة تشكيل واسعة لجزء من الحركة الوطنية المغربية.
5. ماذا كان يريد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية؟
حمل التنظيم الجديد برنامجا سياسيا واقتصاديا يعكس توجهه التقدمي. ومن بين أبرز أهدافه:
-بناء اقتصاد وطني أكثر استقلالا.
-دعم التصنيع والتنمية الاقتصادية.
-إصلاح القطاع الزراعي.
-توسيع المشاركة السياسية والديمقراطية.
-إقامة الديمقراطية في إطار ملكية دستورية.
-إنهاء وجود القوات الأجنبية.
-دعم استقلال الجزائر.
-تبني سياسة خارجية أكثر استقلالاً عن القوى الأجنبية.
كما أعلن الاتحاد دعمه لحكومة عبد الله إبراهيم ولسياسة “التحرر الاقتصادي” التي ارتبطت خصوصا بوزير الاقتصاد الوطني عبد الرحيم بوعبيد. وفي المقابل، استمر حزب الاستقلال كتنظيم سياسي مستقل تحت قيادته التاريخية، وعلى رأسها علال الفاسي.
وهكذا أصبح المغرب أمام مشهد سياسي جديد: لم تعد الحركة الوطنية الكبرى ممثلة في تنظيم واحد، بل أصبح لها اتجاهان رئيسيان داخل الحياة السياسية.