حسن الرحيبي
لمّا انتقلنَا للخيمة الجديدة بجنَان بللّحرَاري ، بعد احتراقنا وسط الصّدَيݣات خلاَل صَيف سنة 1956 القائظ ، ورَحيلنا شمالاً بجنان ضَاية الرّحيبي القريب ..اشتدت الحرائق والاغتيَالاَت بدعوَىٰ الخيّانة ، واختفىٰ قائد اثنين الغربية ولد بُوعلي في ظروف غامضَة ، كما كان يُقبضُ علىٰ متعَاونين مع فرنسا من أمَام القصر الملكي استدعَاهم محمّد الخامس نفسه ، وفرّ بيّاعة معروفون من المدن إلى الدوَاوير طاردتهم الحركة الوَطنية وكانت تغتالهم بالأسوَاق ، اختلط الحابل بالنابل وكل من كان له عداوة مع أحد اغتاله بدعوىٰ بيّاع ، وخرجت أغاني عن الخائنين
واش قضَيتوا يا الحُسّاد مَللّي جا لحبيب وريتُه !
واولاَد الوَطن
اولاَد الوَطن قتيب الرّمّان
وهذا لوليد جَاي عَد امّه
هاهاهههههههه
طرَݣ البيرُو حطّ خطّ ايدُه
هاهاهاهه !
واݣولي لاخُوك عݣب
رَا الطّنݣ رݣب !
وهَار الكارني
باش اتّا وطاني
هاهاهاهاه ..
بل لباس الوَطنيين جلاّبة محبّبة بلون أشخم وطربوش assorti أي من نفس نوع الجلاّبية ولونها ..قُتل ولد كارنو وبن الدّيهاج ، أُحرقت ݣاعَة ولد سّي بُوبكر ، حاولوا قتل بنحميدُو والفقيه السّطاهر اللّي تغالط ليهم مع أحد المُتعاونين من أقربائه ، عَاد مرتعشاً مزقزقاً للخيمة عندمَا سمع :
اهدَا اهدَا اهدَا ، مَاهوّاش هوَ ..
بعضُ الأهَالي اختُطفت ثيرَانهم وإبلهم بدَعوىٰ ضَرُورة مسَاعدة الحركة الوَطنية ..حُمل أحدهم ليلاً نازفةً دماؤه من الطالوع حتى دوّار البريبرَات المُجاهد ..خاف أبي بسَبب انعزَال خَيمتنا في البراري القاحلة محاطةً بالصّبّار الشوكي المُوحش ..فطمُوني وݣالوا ليَ كي يقنعوني :
لحنا لك زيزّة في مَطفية بَللّحرَاري ..
بعد عَامين عُدنا للدوّار غانمين سالمين من جديد ، فكان أول ما فكر فيه أبي ، حفر مطفيتين ، المَطفي الݣُدّامية مخصّصَة للبشر لأن مياهها عذبة تأتي من الحملاَت الخارجية المارة من أصعدة طاهرة وبكرة ..والمطفي الورّانية خاصّة بالبقر لأن مياهها تمتزج فيها مُخلفات الدوَاجن والحيوَانات التي تنام بجانبنا في المراح ، وتأخذ في التصَايح والبكاء عندما نخرج ونتركها وحيدة وكأنها جزء من أسرتنا الممتدّة ، كانت مياهها حمراء تميل إلى السوَاد مثل مشروب موناضَة كوكاكولا الشّهيرة والمحبوبة آنذاك ، استعملت علاجاً لكل شيء ، أو ربما عَا ترهبين وذريعة لشرب المُوناضَا اللّذيذة والعزيزة آنذاك .. بل فعلاً كان مراهقو الدوار يفرغون زجاجات كوكاكولا في بطونهم ، ويملأونها بمياه المطفي الملوثة بمخلفات البهائم ، ويأخذونها لحانوت دادا رقية ، مردّدين بتمسكن ما بغايناش هاذي اعطينا الحمرا أي كنَدا درَاي canada dry !
بنىٰ أبي ثلاَث نوَالاَت ، واحدة امّو ظهر للضّيوف عللّق بها صُور محمد الخامس ومولاي الحسَن وجمال عبد الناصَر وبن بلاّ البَلبُولة ..وأخرىٰ للمَبيت من نوع نوالة امّ قُبّ ، دون نسيان الرّحَل والسّكللّ لوَضع الغطاءات الخشنة والملاَبس ..لما كبرنا أزلنا الصّور ذات الحمُولة الوَطنية والسّياسية ، وعللّقنا صُور شَادية وعمَاد حَمدي وفريد الأطرَش ..بدَات المرَاهقة تعمل خدمتها !
