آخر الأخبار

المسكوت عنه والمنطوق في أمر الصندوق – 1 –

سـعـد سـرحـان

تــقــديــم:

من قال إن الشعراء يطمئنون إلى بروج عاجية ركبوها، ولا يستطيعون النزول منها لمعانقة قضايا مجتمعاتهم الحقيقية..الأمر حتما ليس كذلك لدى عدد من الشعراء المغاربة..ولعل سعد سرحان واحد من هؤلاء، حيث دبج رسالة مطولة إلى رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، سنة 2014، ينتقد فيها قرار رفع سن التقاعد.وهذا نص الرسالة المفتوحة ( الـجـزء الأول) :
معالي رئيس الحكومة المحترم :
أتمنّى أن يتّسع صدركم ووقتكم لقراءة هذه الرسالة. إنّها لا تُهدي إليكم عيوبكم ولا تقوِّمكم بالقوة، ليس فقط لأنّي أفقر وأضعف من أن أفعل، وإنما أيضا لأنكم لستم الفاروق بكلِّ تأكيد. وإذا وجدتموها طويلة، فلمعرفتي بحبّكم الجمّ للإسهاب، فلو عهدتكم محبًّا للاختصار، لحوَّلتُ إليكم رسالة بَلغَتْنا قديمًا من الإمام علي كرم الله وجهه، وهي من سطر واحد فقط: لا تستوحشوا طريق الحق لقلّة سالكيه.
أما بعد،
هل تعلمون أنكم باحتجازكم لآلاف من رجال التعليم، وإجبارهم على العمل حتى نهاية السنة الدراسية، قد جئتم شيئا فرِيّا. فالشهور التي سيعملها هؤلاء بعد أن سدَّدوا للدولة ما عليهم من أقساط تعتبر حرامًا لأنها بكل بساطة تدخل في باب الرِّبا، وحتى إذا اعتبرتموها نوافل لكون العمل عبادة، فالنوافل تكون اختيارية لا إجبارية، أما إذا كانت الشهور تلك بقشيشا ينفحه الموظف مُكرها، فإننا نرى أن الدولة يجب أن تكون أغنى وأعفّ من أن تقبل على نفسها ذلك، فأحرى أن تفرضه.إنّ الموظّف الذي يصل إلى سنّ التقاعد يجب أن يخلد للراحة ويتقاضى راتبه من صندوق التقاعد لا أن يواصل التفاني في العمل، بما هو اقتطاع من الحياة، ويتقاضى راتبا خاضعا لاقتطاع نفس الصندوق في سوريالية قانونية صارخة، إذ أيّهما المتقاعد في هذه الحالة الموظّف أم الصندوق؟ صحيح أنّكم عرضتم الأمر على البرلمان ذات قيلولة قائظة، لكن المسألة ليست في المصادقة عليه من عدمها، وإنما في ما يُعرض أصلا على هذا البرلمان. فإذا كان برلماننا الموقر مُستعدًّا للمصادقة على جواز المرور في الضوء الأحمر، فليس أقل من أن يصادق في نفس الآن على إجبارية الوقوف في الضوء الأخضر، ليكتمل بذلك عمى الألوان. فأيّ عرض قدّمتم لهؤلاء الآلاف الذين لم تحترموا آدميتهم، التي من شروطها الأولى أن حيواتهم ملك لهم، وليس من حق أحد أن يحوِّل مجاريها إلى حيث يريد. وعلى ذكر الحياة، فهي تحسب بالأنفاس وليس بالسنوات، وكم تكون الأنفاس تلك نفيسة في آخر العمر حين يحتاج إليها المرء ليعانق حبيبا أو يقول كلمة أخيرة أو يذيع سرًّا. أيّ عرض قدّمتم لهؤلاء الآلاف مقابل اقتطاع شهور من أعمارهم في تسخينات مكشوفة لاقتطاع أضعافها لأضعافهم؟ فحتى ذلك الجوق الذي يُحيي حفلا بأحد الأحياء الشعبية لا يمكن استبقاؤه بعد الوقت المتّفق عليه دون “غرامة” تدفع، بل حتى ذلك الحصَّاد الذي يُنهي عمله عصرًا لا يمكن لربّ الحقل أن يستبقيه دون مقابل، اللهم إذا كان يريد منه أن يريه “جوا منجل”. ففي كل اللغات تُطلب من المرء لحظة فقط بالقول:دقيقة من فضلك، فكيف تطلبون أنتم خمس سنوات دفعة واحدة في إهانة واضحة ليس للموظف فقط وإنما للحياة شخصيا. ثم ماذا أنتم فاعلون لو أن كل ضحايا الرفع من سن التقاعد رفعوا أيديهم عن العمل واكتفوا، لعدم قدرتهم عليه، بالتعامل (والتعامل للعمل كالتمارض للمرض) فجعلوا يسجلون حضورهم، يفاخرون بعضهم بالأحفاد، يتداولون الخبرات حول السكري والدوالي والنقرس والحمى… ويتلقّون التعازي في الذين رحلوا وفي أنفسهم شيء من لمَّا. قُل لي، بربّ العزّة، ماذا أنتم فاعلون؟ ستُحيلونهم على المجالس التأديبية، وتتخذون في حقهم الإجراءات اللازمة، وتُغلظون لهم القول وهم في أرذل العمر، فتدخلون بذلك التاريخ من أبشع أبوابه: باب العار؟ ماذا أنتم فاعلون، لا بهؤلاء فقط وإنما بأولئك أيضا، أولئك الذي ستُطيلون انتظارهم سنوات أخرى فلا يحظون بفرصة عمل إلَّا وهم كهول.هل تعلمون أن المغرب بكل ريعانه في العقود الماضية يحتل الآن مراتب مخجلة على جميع الأصعدة. فهو متأخر في التعليم والصحة وخلافهما مما ينفع الناس ومتقدم جدّا في الحشيش والرشوة والمديونية والدعارة والغش والجريمة… فكيف سيكون في العقود اللاحقة بكهول يخلّفون شيوخا، فيما الشباب يرتمي في بحر اليأس، أو يُقَطِّع نفسه قبل أن يُقَطِّع العالم والناس أو يهاجر، احتراما لنبوغه، إلى عواصم الأنوار.يحتاج المغرب إلى حلول مبدعة لكل معضلاته، وهو الشيء الذي لم نلمسه في سياساتكم، فبإغراقكم البلاد في الديون تكونون كأيّ ربِّ بيت، قصير اليد عديم الحيلة، يستدين من الأحباب والأصحاب ومؤسسات القروض، فيؤدي الأقساط من رفاه أبنائه وسعادتهم وما سيكون عليه مستقبلهم. وبرفعكم من سن التقاعد ومساهمة الموظف فيه وخفض الراتب بعد المعاش… تكونون قد اقترحتم حلًّا لا يحتاج أيّ مستوى دراسي. إن المغرب يعج بخريجي البولتكنيك ومهندسي القناطر… فلماذا تقترحون على البلاد حلولا تحمل بصمات مهندسي الأنفاق، تلك التي لا ضوء في نهايتها؟ قبل صندوق التقاعد، صناديق كثيرة لمؤسسات لا يستفيد منها عموم الشعب عاشت نفس وضعية الغرق، فما كان من الدولة إلا أن رمت إليها عجلة الإنقاذ منفوخة بملايير من دراهم دافعي الضرائب، وعلى رأسهم الموظف العمومي طبعا. ولكم أن تحذوا حذو غيركم، الذي كان أشطر، فتنقذوا صندوقا يتحوّل فيه العرق من سائل إلى سيولة تتبخر. ومع أن هذا الحل يخلو من إبداع (والابداع غير البدعة كما الدلالة غير الضلالة) فهو على الأقل لا يُصلح صندوقا بإفساد بلد. فالموظف، مثلا، الذي يعرقَل تقاعده النسبي سيُحيل نفسه على التقاعس المطلق، وذلك الذي ينوي الاستقالة سينهب ما يكفيه بقية العمر قبل أن يفعل… ولن ننتظر طويلا الأعراض الجانبية لذلك.وعلى ذكر الحلول المبدعة، ففي الصين، على عهد ماو تسي تونغ، أقرّت الدولة نظاما غذائيا أعدّه خبراؤها، كان من نتائجه ارتفاع متوسط الطول بعشرة سنتيمترات خلال جيل، فقرّبت مواطنيها قليلا من السماء قبل أن تطلقهم في أرض الله الواسعة يعيثون عملا، فيصنعون كل شيء: من البكارات حتى اللحى. وإذا كانت الصين الشيوعية قد زادت في قامة مواطنيها، فإن حكومتنا الإسلامية زادت في كل شيء فأثقلت كاهل المواطن حتى أصبح يبدو أقصر بكثير من قامته، ولكم أن تقارنوا بين من يتمدّد نحو السماء وبين من يتقلّص صوب الأرض في تطبيع مع الحفر مستمرّ حتى القبر. فأيهما كرَّم بني آدم؟ القرآن الكريم أم الكتاب الأحمر؟ وعلى ذكر القرآن الكريم، فهو يضم بين دفتيه ستين حزبًا، ويفرض على المفطر إطعام ستين مسكينا أو صيام شهرين متتابعين، أي ستين يوما، ما يعني أن هذا الرقم له قدسية عند الله تعالى، وعليه فتحرير رقبة الموظف من الوظيفة العبودية، عفوًا العمومية، يجب أن يكون في الستين.فما من رسالة يحملها الموظف، أيًّا كان، أسمى من رسالة الإسلام التي أدّاها الرسول الكريم قبل أن يرحل وهو دون الخامسة والستين.
لقد حرَّم القرآن الكريم على المسلم أكل لحم أخيه ميتا في إشارة إلى النميمة، فكيف تستطيبونه حيا باستعباده لسنوات بعد أن ولدته أمه حرًّا كما جاء على لسان رمز العدل في الإسلام، الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والذي كان يخشى عقاب الله لو عثرت بغلة لأنه لم يمهّد لها الطريق، أفلا تخشون الله، وقد وصلتم على جناح العدالة، وأنتم تنوون تحويل آلاف الموظفين إلى بغال لا يحقّ لها حتى أن تشيخ؟ ثم لماذا تخُصُّون رجال التعليم بهذا الحيف؟ فكثيرون غيرهم سيصلون إلى سن التقاعد، ومنهم من يتقاضى أجرًا يستحق عليه الدخول إلى كتاب غيريتس للرواتب القياسية. بل إن حتى التمديد الذي استفادت منه بعض الأطر في الأمن والداخلية صدرت تعليمات عليا بإيقافه. لماذا التعليم بالضبط، وهو أس كل شيء، وعوض تشبيبه تفعلون العكس، وكأنكم تنوون لاحقا أن تعلقوا عجزه على مشجب عجائزه. إنكم بذلك تفسدون الملح. فبأي شيء نُمَلِّحُ إذا فسد الملح؟ لقد سبق لمعاليكم أن شبَّهتم المرأة بالثريا، وهو تشبيه حداثي أغبطكم عليه، فهي فعلا كذلك، لا في البيت فقط، وإنما في كل مكان. فلولا المرأة لأظلمت الدنيا، فمَن غيرها يضيء الليل حتى قبل أن تُشَبَّهَ بالقمر؟ لكن هل تعلمون أن المرأة الموظفة، بخلاف زميلها الرجل، إذا قضت لا يستفيد زوجها من تقاعدها، وفي ذلك حيف واضح يمكنكم القفز إليه ورفعه عنها وعن ذوي حقوقها، طالما أنه غير مسيّج، شأن الإرث، بالشرع والشريعة. ولأن المرأة تعمل داخل البيت وخارجه، فهي جديرة بتخفيض سن التقاعد لا بالرفع منه، اللهم إذا كنتم ترون، عكس ما ترون، أنَّ المرأة يجب أن تقضي أطول عمر ممكن في العمل حفاظا على ما تستهلكه من كهرباء بوصفها ثريا البيت، وبذلك تكونون قد فضلتم الرفق بالفواتير على الرفق بالقوارير.إننا نلتمس من معاليكم ان تحترموا غباءنا قليلا. رجاء افعلوا “فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”. فالمرأة التي ترون مكانها في البيت تنوون إجبارها على العمل حتى الخامسة والستين، ومحاربة الغش في الامتحانات ترفع من نسبة النجاح، والتعليم الذي يحتضر تحتفظون برجاله حتى سن الاحتضار، والوعود التي قطعتموها على أنفسكم قبل الانتخابات صارت، بعد استتباب الكراسي، وعيدًا بالويل والثبور واستهداف الأجور… فرجاء، مرة أخرى، لا تجعلونا نحس كالمستجير من الرمضاء بالنار، فليس قدرنا أن ننجو من السكتة القلبية لنقضي بجرعة زائدة من اليأس.هل تعلمون أن المغرب ليس أرقاما متضاربة، وصناديق تُصَفِّرُ أو تَفِحُّ، ولا هو خطوط بيانية بالأخضر والأحمر، كما أنه ليس جبالا وكثبانا تباع على الانترنيت… المغرب هو هذه الملايين التي تحصى، والتي لا ترى لها نجوما إلا في سماوات الآخرين. هذه الملايين تحب أن يكون للمغرب قلبٌ تخاف عليه من السكتة، ورئتان جديرتان بالهواء الذي يسرقه الإسمنت من الشجر، وبانكرياس يضبط نسبة الشمندر في دمها، وكبد تحس أنها فلذاته، وغدد تفرز الأمل… فلا تحوّلوه إلى مجرد غدة كظرية عملاقة تغمرنا ببحر من الأدرينالين.هل تعلمون كم نفرح لمغرب يدشن مشاريع الطاقة البديلة، فنحب شمسنا أكثر وننحني إجلالا للرياح، ولا يعكر فرحتنا سوى تذكرنا لتلك الطاقات الجسدية التي تبدّدها حبوب الهلوسة، وتلك الطاقات العقلية التي تُصرف في النصب والاحتيال… وهل تعلمون كم نفرح لتلك الأوراش التي فتح المغرب ببناء الموانئ والمطارات وإنشاء الطرق السيارة-الأوطوروت، ولا يحزننا سوى أننا لم نفكر بعد في تنشئة الإنسان السَّيَّار-لوموروت، الذي فتحت الأوراش تلك لأجله. فهذا الإنسان لا يحتاج إلى خرّيجي الهندسة المدنية أو مدارس القناطر… وإنما إلى رجال الأدب والفن والفلسفة والفكر وعلماء الاجتماع، أولئك الذين صنع نظراؤهم مجد فرنسا التي نحلم بصورتها في مرآتنا، بينما هم، هنا في المغرب، لا يعدمون من ينظر إليهم باستعلاء من منصبه الرفيع، وقد تأخذه العزّة بالجهل فيتبرَّم من وجودهم أصلا مع أنه لم يقرأ لأيّ منهم. لقد تأخّرنا كثيرا في فتح هذا الورش، ورش الإنسان السيار، وبدل ذلك تم ترصيع البلد بالحفر وغرسه بالحواجز فلم يعد ينجح في الوصول سوى الإنسان القافز.
هل تعلمون أن بعض الصناديق يشبه علبة الباندورا، ولعلكم تهمّون بفتح أحدها فتصيبون الجميع بشرورها. قطعا لا أقصد الصناديق السوداء ولا صناديق الاقتراع حتى، فأنا لست مازوشيا كي أفعل. لذلك، اسمحوا لي أن أستبقيكم مع صندوق التقاعد فقط.هل تعلمون أن المهندس الفعلي للمغادرة الطوعية هو نفسه الذي يدبّر ملف البقاء القسري غير حافل بمفارقة الدفاع عن الشيء ونقيضه ولا بسخرية القدر ودهشته، دهشة بروتاغوراس أقصد. فقبل سنوات فقط تمّ تمتيع آلاف من موظفي الدولة بالمغادرة الطوعية المؤدّى عنها بأظرفة مجزية مع الإبقاء على جزء مهم من الراتب، فضاعت على الوظيفة العمومية كفاءات كثيرة وصُرفت على ذلك أموال طائلة من صندوق يقال الآن إنه يحتضر ولا سبيل إلى إطالة عمره إلا بضخّ مزيد من أعمار الناس فيه. فأية عدالة هذه التي تمتّع موظفا في الأربعينات من العمر بالراحة والمكافأة فيما تخطط اليوم لإجبار زميل له على العمل حتى الخامسة والستين مع اقتطاعات إضافية، ليعمل هذا الأخير عشرين سنة أكثر من الأول دون أن يتقاضى ما تقاضاه؟ وأية حكمة هذه التي تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير حين تتشبث بسنوات من شيخوخة هذا بعدما فرطت في أضعافها من شباب ذاك؟ وعلى ذكر الشباب، فالموسوعة البريطانية تحدّه في الرابعة والثلاثين من العمر، ولما كانت الوظيفة العمومية تسمح بالانتساب إليها حتى لمن تجاوزوا الخامسة والأربعين، أي الذين هم في حكم الكهول، فإن رفع سن التقاعد سيجعل هؤلاء ينتظرون سنوات أخرى قبل أن يظفروا بفرصة عمل بعد أن يكونوا في سن اليأس على أقل تقدير.هل تعلمون أنه حتى حدود سبعينات القرن الماضي كانت الشهادة الإعدادية كافية للانتساب إلى الوظيفة العمومية، ما جعل آلافا من التلاميذ يفضلون على مواصلة دراستهم الزجَّ بأنفسهم في أتونها لإنقاذ أنفسهم وذويهم من ضيق ذات اليد. لقد كانوا في الثامنة عشر من العمر أو أقل حين وضعوا أقدامهم الفتية على الدرجات المتربة من السلم الإداري، تلك التي لم يرتفعوا عنها إلا قليلا بحكم إجحاف الترقيات، فقضوا عقودا من الشظف انعكست على حياتهم وتمدرس أبنائهم مثلما عانوا من نظرة المجتمع الذي لم يعد يقنع بالكنز الذي لا يفنى فأحرى أن يكتفي بالقناعة. أليس من العار أن يواصل هؤلاء العمل حتى الخامسة والستين من العمر (إن أمهلهم العمر) فيكونوا بذلك قد قضوا نصف قرن في الوظيفة العمومية، فإذا غادروها، وبتقاعد مخجل، فلكي يتفرّغوا للأمراض وغيرها من الإجراءات اللازمة للموت، فيما غيرهم من المحظوظين يضمن تقاعدا مريحا لمجرد جلوسه ذات فرصة على كرسي وثير.