آخر الأخبار

المذكرات الانتخابية.. أوراق جديدة لأزمة قديمة

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تدخل الأحزاب المغربية في سباق محموم لإعداد ما يُسمى “المذكرات الانتخابية”. أوراق تُرصّع بالشعارات وتُوجَّه إلى وزارة الداخلية، في محاولة لإظهار أن هناك حركية سياسية ونقاشًا حول المستقبل. لكن الحقيقة المؤلمة أن هذه المذكرات، مهما اختلفت صياغتها، لا تعدو أن تكون إعادة إنتاج لأزمة متجذّرة: أزمة الثقة بين المواطن والسياسة.

إصلاح على الورق.. واقع بلا تغيير

المذكرات تُكثر من التفاصيل التقنية: رفع عدد المقاعد أو تخفيضها، العتبة الانتخابية، اعتماد البطاقة الوطنية بدل بطاقة الناخب… لكن هذه القضايا، مهما بُولغ في تقديمها، لا تلامس جوهر المشكل. فالمغاربة لم يفقدوا الثقة بسبب الأرقام أو البطاقات، بل لأن البرلمان لم يعد يمارس دوره الحقيقي في التشريع والمراقبة، ولأن الوجوه السياسية التي يُعاد تدويرها كل خمس سنوات لا تحمل حلولًا لمشاكلهم اليومية.

شعارات التمكين.. واقع الإقصاء

منذ عقدين على الأقل، يُعاد نفس الكلام عن “تمكين النساء” و”فتح المجال للشباب”. لكن على الأرض، يظل ذلك مجرد شعار للتسويق الإعلامي. المقاعد التي تُمنح عبر الكوطا لا تغير شيئًا في المشهد، لأن التمكين الحقيقي لا يُقاس بالعدد وإنما بفتح الباب أمام الكفاءات القادرة على تقديم بدائل، لا أمام أسماء تُستعمل للزينة.

المال الانتخابي.. السر المكشوف

لا مذكرات ولا قوانين استطاعت كبح زحف المال الانتخابي. شراء الأصوات أصبح ممارسة عادية في مناطق كثيرة، واستغلال الجمعيات والمساعدات الخيرية صار أداة للتأثير على الناخبين. ما معنى الحديث عن “تخليق العملية الانتخابية” إذا كانت صناديق الاقتراع محاصَرة بالمال والنفوذ؟ هنا يتجلى التناقض الأكبر: انتخابات يُفترض أن تُفرز إرادة الشعب، لكنها في الواقع تعكس قوة الجيب أكثر من قوة الفكرة.

الغائب الأكبر: ثقة المواطن

كل هذه المذكرات تُعيد نفس المواضيع: تحديث اللوائح، تمويل الأحزاب، المساواة في الإعلام، رفع نسبة المشاركة… لكن السؤال الجوهري غائب: كيف نستعيد ثقة المواطن في السياسة؟ كيف نقنعه أن صوته له قيمة؟ الحقيقة أن لا مذكرات ولا خطابات قادرة على ذلك ما دامت المؤسسات تُدار بنفس العقليات، وما دام المواطن لا يرى أثرًا مباشرًا لصوته في تحسين معيشه أو في محاسبة الفاسدين.