توطئة المقال:
في خضم النقاش العمومي حول مخرجات المنظومة التربوية بالمغرب، يبرز رهان الاندماج السوسيو-اقتصادي كأحد أكبر التحديات التي تواجه المدرسة المغربية. يسلط هذا المقال الضوء على ضرورة إحداث قطيعة مفاهيمية وبيداغوجية عبر إرساء “المنهاج المندمج”، والانتقال نحو تفعيل أدوار الحياة المدرسية. ومن خلال استدعاء مقاربات سوسيولوجية واقتصادية، يطرح المقال أهمية “التربية الجمالية” ليس كترف فني، بل كدعامة أساسية لاكتساب المهارات الناعمة، وحاضنة فعلية لـ “المقاولة الثقافية” القادرة على تحويل المدرسة إلى مشتل يخرج طاقات قادرة على الابتكار والاندماج الفاعل في محيطها الاقتصادي والمجتمعي.
المدرسة المغربية ورهان الاندماج السوسيو-اقتصادي: مقاربة نسقية للحياة المدرسية والتربية الجمالية كحاضنة للمقاولة الثقافية
*عبد العزيز السيدي
مقدمة: التحول الإبستمولوجي لوظائف المدرسة والأفق المستقبلي للشباب :
يشهد الحقل التربوي المغربي تحولات عميقة تستلزم إعادة التفكير في أدوار المدرسة ووظائفها ضمن مقاربة نسقية مندمجة، والانتقال من المقاربات التقليدية إلى نموذج “مدرسة الحياة” الذي يضع المتعلم في صلب أولوياته(1). وفي خضم هذا التحول، تواجه المدرسة المغربية رهاناً استراتيجياً مزدوجاً يتمثل في تحقيق الجودة والإنصاف من جهة، وضمان الاندماج السوسيو-اقتصادي وتطوير الحركية الاجتماعية لخريجيها من جهة أخرى. وتماشياً مع تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تُعتبر المدرسة الأفق المستقبلي للشباب عموماً، والفضاء المؤسساتي الأول الهادف إلى تحقيق الاندماج الاجتماعي، مما يستوجب هندسة بيداغوجية تضع الحياة المدرسية والوظيفة الثقافية في صلب المنهاج التعليمي(2).
أولاً: القطيعة المفاهيمية وإرساء “المنهاج المندمج”:
لطالما عانت المدرسة من إشكالية المفاهيم وغياب التدبير البيداغوجي الفعال، ولا سيما من خلال الاستعمال الشائع لمصطلح “الأنشطة الموازية”، الذي أوحى بهامشية هذه الأنشطة ووقوعها خارج المتن الأساسي للمنهاج. ولتجاوز هذا الخلل، واستناداً إلى الفلسفة التربوية الحديثة والمقاربة السوسيو-بنائية(3)، تم إحداث قطيعة مفاهيمية باعتماد مصطلح “الأنشطة المنهجية” وتأسيس “المنهاج المندمج”. وقد أصبحت الحياة المدرسية تُعرّف كصورة مصغرة للحياة الاجتماعية، ومناخاً وظيفياً يهدف إلى التنشئة الشاملة لشخصية المتعلم (معرفياً، وجدانياً، وحس-حركياً) عبر أنشطة تفاعلية متنوعة. وقد تكرس هذا التحول عبر مسار مؤسساتي دقيق، انطلاقاً من الميثاق الوطني الذي أسس لمبدأ “المدرسة المفعمة بالحياة”(4)، مروراً بدستور 2011 الذي ألزم السلطات في فصليه 26 و33 بدعم الإبداع الثقافي للشباب وتيسير ولوجهم للثقافة(5). وصولاً إلى القانون الإطار 51.17 (خاصة المشروع العاشر) الذي ربط الأنشطة الفنية والمشروع الشخصي للمتعلم بتعزيز النبوغ والابتكار(6).
ثانياً: المقاربة السوسيولوجية والتربية الجمالية كجسر للاندماج :
انسجاماً مع الثيمة الثالثة للرؤية الاستراتيجية (2015-2030) المتعلقة بـ “مدرسة الارتقاء بالفرد والمجتمع”، والتي أفردت الرافعة 18 للارتقاء بالوظيفة الثقافية للمدرسة لتقوية الاندماج السوسيو-ثقافي(7)، تلعب التربية الجمالية دوراً محورياً في بناء الكفايات العرضانية والمهارات الناعمة (Soft Skills). لا يمكن مقاربة هذا الاندماج دون الاستناد إلى علم الاجتماع التربوي، حيث تمثل المدرسة -وفق إميل دوركايم- مؤسسة اجتماعية وتربوية صغرى تهدف إلى تكييف وتأهيل النشء لدمجهم في المجتمع(8). وهنا يمكن استدعاء طرح عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، الذي يؤكد أن المدرسة قد تعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية إذا لم تتدخل عبر التربية الجمالية والثقافية لتوزيع “الرأسمال الثقافي” بشكل عادل ومؤسساتي(9). إن الانخراط في أنشطة التربية الجمالية يعلم المتعلم تدبير الاختلاف، وصقل الذوق، مما يتماشى مع رؤية إدغار موران بضرورة تعليم “فن العيش” والفهم المتبادل(10). كما يحذر الخبير كين روبنسون من أن المدرسة التي تقتل الخيال تقضي على فرص الاندماج، معتبراً الإبداع موازياً للقراءة والكتابة(11). وهو ما يتقاطع وطنياً مع فكر المهدي المنجرة الذي ربط التنمية بالتأصيل الجمالي(12)، وطه عبد الرحمن الذي شدد على ارتقاء الإنسان بالعمل الإبداعي والقيمي. من جهته، يدعم الباحث فيليب ميريو هذا التوجه من خلال تشديده على “بيداغوجيا المشروع” لبناء اندماج المتعلم كفاعل حقيقي(13).
ثالثاً: المدخل الاقتصادي: المدرسة كمشتل لـ “المقاولة الثقافية” :
يؤكد فرع “اقتصاديات التعليم” على العلاقة الحتمية بين المخرجات المدرسية والتنمية. وفي إثراء لهذا الطرح، تُبرز نظرية “الرأسمال البشري” لغاري بيكر(14)، ومقاربة “القدرات” لأمارتيا سين(15)، أن التنمية الحقيقية تكمن في توسيع قدرات الأفراد وخياراتهم، وهو ما تضطلع به الأنشطة المندمجة. إن الرهان الاقتصادي الحديث لم يعد يبحث عن اليد العاملة النمطية؛ فكما يشير خبير الابتكار توني واغنر، فإن اقتصاد المعرفة يدفع لك مقابل ما يمكنك فعله بما تعرفه، جاعلاً التفكير النقدي والابتكار عملة العصر(16). ويؤكد جاك ما ضرورة التركيز على الفنون والعمل الجماعي لتكوين إنسان لا يُهزم أمام التكنولوجيا الآلية(17). تتحقق الملاءمة مع سوق الشغل عبر تحويل فضاء النادي المدرسي إلى مشتل مصغر للمقاولة الثقافية والاجتماعية. فعندما يدير التلميذ مشروعاً داخل مؤسسته، فهو يمارس فعلياً أبجديات التدبير المقاولاتي، لينتقل من التلقي السلبي إلى “مقاول ثقافي” قادر على ابتكار مساره المهني.
رابعاً: الحكامة، مشروع المؤسسة، وتجديد التقييم :
لكسب رهان الاندماج وجعل المدرسة حقاً أفقاً مستقبلياً للشباب، يُعد “مشروع المؤسسة المندمج” (PEI) الآلية العملية لتنظيم العمليات التربوية وتجويد التعلمات، توازياً مع إرساء شراكات “رابح-رابح” لانفتاح المدرسة على الفاعلين الاقتصاديين والجمعويين(18). يتطلب هذا الرهان مراجعة جذرية لمؤشرات التقييم المؤسساتي؛ عبر استثمار تقارير المجلس الأعلى والمندوبية السامية للتخطيط، بحيث لا يُقاس النجاح أكاديمياً فحسب، بل بمدى نجاح المدرسة في تحقيق الحركية الاجتماعية وتقليص الفوارق. ويجب إدماج أنشطة الحياة المدرسية فعلياً في منظومة التقييم لضمان تتبع مسار المتعلم ومشروعه الشخصي.
خاتمة:
إن الاستثمار في التربية بمنظورها النسقي والجمالي هو استثمار مباشر في التنمية البشرية المستدامة. فالاندماج الاقتصادي يبدأ بخلق متعلم مندمج ثقافياً ومالك لأدوات المبادرة. إن المدرسة المغربية المنشودة يجب أن تزاوج بين الصرامة العلمية والرقي الجمالي لتخريج مقاولين ثقافيين يمتلكون القدرة على الابتكار. فالغاية الأسمى هي تفعيل أدوار المدرسة لتنقل المتعلم بأمان من “حياة المدرسة، إلى مدرسة الحياة”، لبناء مواطن منخرط في حركية التنمية السوسيو-اقتصادية.
الهوامش التفسيرية:
( (1) المرجعية السوسيو-بنائية، التي تركز على دور التفاعل الاجتماعي والمحيط في بناء التعلمات.
(2) استناداً إلى مضامين التقرير الاستراتيجي للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي حول “مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء”.
(3) البنائية الاجتماعية (Socio-constructivisme) كنظرية تعلمية ترتكز على أعمال رواد علم النفس والتربية أمثال ليف فيغوتسكي (Vygotski).
(4) الميثاق الوطني للتربية والتكوين، المادة 9 المتعلقة بـ (المدرسة المفعمة بالحياة).
(5) دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصلين 26 و33 الداعمين للشباب والإبداع الثقافي والفني.
(6) القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين، تحديداً المشروع العاشر المتعلق بالارتقاء بالحياة المدرسية.
(7) الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، الثيمة الثالثة: مدرسة الارتقاء بالفرد والمجتمع، الرافعة 18 المتعلقة بالارتقاء بالوظيفة الثقافية للمدرسة.
(8) دوركايم، إميل (É. Durkheim): من مؤسسي السوسيولوجيا التربوية، والذي يرى المدرسة كأداة أساسية للتنشئة الاجتماعية والاندماج.
(9) بورديو، بيير (P. Bourdieu): عالم اجتماع فرنسي، حلل في أعماله دور المدرسة في تكريس أو تقليص الفوارق من خلال آليات توزيع “الرأسمال الثقافي”.
(10) موران، إدغار (E. Morin): فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي، ركز في كتابه “الدروس السبعة للتربية من أجل المستقبل” على ضرورة تعليم الفهم الإنساني وفن العيش.
(11) روبنسون، كين (K. Robinson): خبير تربوي بريطاني، اشتهر بنقده للنظم التعليمية النمطية ودفاعه المستميت عن مركزية الإبداع في المدرسة.
(12) المنجرة، المهدي: عالم مستقبليات مغربي، أكد في كتاباته أن التنمية لا تستقيم دون قيم وتأصيل ثقافي وجمالي.
(13) ميريو، فيليب (P. Meirieu): باحث تربوي فرنسي رائد في بيداغوجيا المشروع وبيداغوجيا التمايز، مدافع عن مركزية “المتعلم كفاعل”.
(14) بيكر، غاري (G. Becker): اقتصادي أمريكي حائز على جائزة نوبل، ومنظر نظرية “الرأسمال البشري”.
(15) سين، أمارتيا (A. Sen): اقتصادي هندي حائز على جائزة نوبل، طور “مقاربة القدرات” (Approche par les capabilités) كمقياس للتنمية.
(16) واغنر، توني (T. Wagner): خبير تربوي في جامعة هارفارد، مهتم بـ “مهارات البقاء” في اقتصاد القرن الحادي والعشرين.
(17) جاك ما (Jack Ma): رجل أعمال ومؤسس مجموعة “علي بابا”، له مداخلات شهيرة حول ضرورة إدماج القيم والفنون في التعليم لتمييز العنصر البشري عن الآلة.
ذ (18) مشروع المؤسسة المندمج (PEI): إطار تعاقدي ومؤسساتي لتنزيل الإصلاحات التربوية على المستوى المحلي للمؤسسة.
*رئيس مركز رؤى للأبحاث والدارسات والتكوينات في التربية والثقافة والتنمية / الكاتب العام لمركز التنمية لجهة تانسيفت