حسن الرحيبي
كان الأهَالي قديماً يعتقدُون أن الجنّ يزاحمهم برحبة اللّحم ، قد يبدو على شكل كلاب ضَالة تعرف بالفعل يوم السوق ، لا أحد يدري كيف ؟ فتتقاطر بدورها على السوق منذ الصّباح الباكر .. من يخبرها بذلك وهي قادمة وحدها لا مرافق لها سوى أنها تصَادف قدوم السّوّاقة وتسير خلفهم مطمئنة .. إلى أن رشق ولد بّيركة أحد القوانع وهو يمر بمفترق الطرق بين خميس الزمامرة والوَليدية ، بالقرب من دار ولد محراشة أواخر سنة 1959 ، ونحن متوجهون نحو للمدرسة ذات صَباح يوم اثنين ،وقد ملأ محفظته دواية مليئة بزيت العود وشدوݣة خبز متنوعة .. لم يلبث أن حمل منضَر صَلد ورمى به الكلب للعين حتى سالت دماؤها ، انتصَب الكلب على القائمتين الخلفيتين ، وأخذ يعوي ويمسح الدم برجليه الأماميتن
صَوت ممزق للأحشاء في ذلك الصّباح البارد :
واعّايه !
واعّايه !
أصبنا بذُعر شديد ..
كان بّيريك قوي البنية وعنيفاً جداً ، لكنه عاد للخيمة مريضاً ليمكث ثلاثة أشهر كاملة ويغادر المدرسة إلى الأبد ..
كانت بنت الغالية امرأة فقيرة تسكن وحيدة ولا تستطيع شراء اللّحم كما كانت تحكي لنا امّي حليمة ، فكانت تحمل كيس ملح تنثره قبل الفجر بالݣُرنة فيسود الكساد الرحبة ، ويصبح قليلاً من يتردد على الجزار متسائلاً :
شحَال اللّحم ؟
ليسود الكساد ويبقاوا الݣزارة يتشمشوا طول النهار ثم يحملون بضَاعتهم للخيمة يضَعونها للوزيعة !
هكذا اعتقدوا ، كما اعتقد البعضُ أنه اغتنى بتعامله مع الجن الذين يأمرونه بذبح ما يشاء من الأبقار لأن الشاري مَضمون .. وبالفعل يكون لديه النفاد !
قصّة سمعتها هذا الصّباح تعود للعشرينات من القرن الماضي ..
لم يكن استعمال الميزان وإنما فقط الݣُرعة ، تغرز بشريط دوم يسمى الزلاّݣ وكذلك المخاشفة التي لم تكن تستهلك كثيراً ، فأرى مساعدين لبائعي الكُرشة يطوفون بها مساءً بأرجاء السوق وهم يهتفون :
الشّاري مخَاشفة !
لا يتجاوز ثمن الݣُرعة 6 ريالات .. أما لحم الراس 16 ريال واللّحم 20 ريالاً ..
العنب 2 ريالات وݣرومة بريال ومنونة بريال وخيزّو واللّفت جوج كيلو بريال .. بطاطا وحدها غالية لا يشتريها سوى الأغنياء ، بعشرين ريالاً قبل ظهور الدرهم بصُورة محمد الخامس ..
وتضَامناً بين القبائل المتآزرة لم يكن يسمح لأي انفلات طبقي أو تفاوت في العيش ، فكان يطلق البراح ليعلم الناس بأن نهار السوق غاديين نلحّموا أو ما نلحّحموش ، كي لا تنبعث روائح الشواء وتكتسح القرى والدواوير ، تحملها الرياح الهابة من كل اتجاه .. ويتضَور الأطفال والنساء محرومين من اللّحم الذي كانت له قيمة كبيرة ، ربما لسببها سن الإسلام العيد الكبير ، إذ كثيرون فقدوا عقلهم أو تناشوا بسبب اللحم ، ويصبح الطفل مكللّش أي كثير العضّ ، بسبب الحرمان من اللّحم ، أو يتناش ويتسلسع عندما توزع شناتف اللحم ويحرم أحد منها انتقاماً من أهله .. كما شاهدت ذلك بأم عيني بين فقراء وأغنياء الدوار أثناء الزردة ، فجُن كثيرون أو ماتوا بسبب حرمانهم من حقهم من اللحم.. أو أثناء الوزيعة التي كدت أن أكون ضَحية لها بسبب الفقر وسوء التقدير ..
في فصل الشتاء يكثر بائعو البُوزروݣ القادمون من أيّير ، فيمتنع الفقراء عن شراء المخاشفة واللّحم معاً ويلجأون لشراء البوزروݣ .. كانوا يوهمون الرّبّوج بأن البوزرُوݣ لحم أيضاً ، ولا فرق بين من تعشى باللحم والبطاطا أو التّرفاس ، ومن تعشى بالمخاشفة والكنبس وبوبينوط .. أو البوزروݣ ولحم الراس .. لأننا كلنا أصبحنا والحمد للّه ربّ العالمين تقول مرت خالي احمد صَباح يوم الثلاثاء بالخرجة ، حين تبدأ مرت خالي احمد ولمخينيقة ومرت سي دحان وزهوة مرت بنعبيس ومّينة بنت العياشي في التفاخر بتقديتهن نهار السوق ..
جت الكنبس وام لبنات والمجبنة ، وشريت قرعة تاعت الريحة ومعرض تاع السواك ومري ومطلية تاعت لعكر الفاسي نحللّق بيها لعل وعسى ..
شريتوا اللّحَم ؟
لاّ جبنا ليكم عَا بوزروݣ راه تا هوَ لحم !
كان معلمو اثنين الغربية يتعاملون مع شنيتيخة ، رجل ضَخم بوجه احمرّ حتى كادت تزرّݣ منه الدماء ، مع جسم مستدير يشبه ما سماه الجاحظ برسالة التّربيع والتدوير ، في وصفه لأحد رجالات بغداد في القرن الثاني الهجري ..قيل كان يسوق لحم النعجة بأنه خروف !
واللّه أعلم !
في سيدي بنور كانوا يشترون لحم الإبل .. كان بنفس الثمن أيضاً .. 30 ريال عام 67 ..
كنا نكتري بيتاً ب 100 دريال للواحد في الشهر يعشينا بها ليلة الثلاث !
رحم اللّه احمد ولد مّي عايشة الجّيّار ! كان كريماً وناشطاً يعرّݣها ويخوضُ فحصّة غناء طويلة بالكمنجة ..
وَا مُولاي شݣاݣان
وَا جيتي في الذرعَان !
ثم جاء عَصر ابّا حنيني الرّݣادي !
رَحم اللّه الجَميع
ملحوظة :
الصّورة لأحد أسوَاق دكالة سنة 1960 ..
