شهدت مجموعة من المدن المغربية، مساء الأحد 15 مارس الجاري، حالة من القلق والتوتر في صفوف عدد كبير من المواطنين عقب انتشار أخبار زيادة مرتقبة في أسعار المحروقات بحوالي درهمين للتر الواحد. ولم تمضِ سوى دقائق بعد صلاة التراويح حتى شهدت محطات الوقود إقبالاً غير مسبوق، حيث سارع المواطنون إلى التزود بالوقود خوفاً من دخول الزيادة المفترضة حيز التنفيذ مع حلول منتصف الليل.
غير أن ما حدث لم يكن مجرد ضغط عابر على المحطات، بل كشف مرة أخرى عن هشاشة تدبير هذا القطاع الحساس. فقد أغلقت بعض محطات الوقود أبوابها بدعوى نفاد المخزون، فيما تحدث مواطنون عن محطات فضلت تعليق البيع مؤقتاً إلى حين اعتماد السعر الجديد، في سلوك يعكس منطق المضاربة أكثر مما يعكس قواعد السوق الشفافة.
هذه المشاهد أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتجدد مع كل أزمة: من يحمي المواطن حين تتحول الأزمات الدولية إلى فرصة للربح داخل السوق المحلية؟
فالتوتر المتصاعد في الشرق الأوسط، في ظل المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، ينعكس بالفعل على أسعار النفط في الأسواق العالمية، وهو أمر مفهوم في اقتصاد عالمي مترابط. لكن الإشكال في الحالة المغربية لا يتعلق فقط بتقلبات السوق الدولية، بل بطريقة تدبير قطاع المحروقات داخلياً منذ قرار تحرير الأسعار سنة 2015، الذي ترك السوق عملياً تحت رحمة الشركات الموزعة وهوامش أرباحها.
ومنذ ذلك التاريخ، تحوّل كل ارتفاع عالمي في أسعار النفط إلى عبء مباشر على المواطن، في وقت تظل فيه آليات المراقبة والتدخل الحكومي شبه غائبة. ومع كل موجة ارتفاع، يتكرر المشهد نفسه: أسعار ترتفع بسرعة، وأرباح تتضخم، بينما يكتفي المواطن بدور المتفرج على فاتورة تتزايد شهراً بعد آخر.
وفي خضم هذا الجدل، يزداد النقاش حساسية حين يتعلق الأمر بموقع الحكومة نفسها في هذا القطاع، خاصة أن رئيس الحكومة يرتبط اسمه بإحدى أكبر شركات توزيع المحروقات في المغرب. وهو معطى يطرح لدى جزء واسع من الرأي العام سؤال تضارب المصالح، ويغذي الشعور بأن الحكومة التي يفترض أن تحمي القدرة الشرائية للمواطنين تبدو في نظر كثيرين أقرب إلى موقع المستفيد من ارتفاع الأسعار.
وبدل أن تبادر الحكومة إلى التواصل الواضح لطمأنة المواطنين وضبط السوق، يترك المجال مفتوحاً أمام الإشاعات والتوتر، وهو ما يدفع المواطنين إلى التهافت على محطات الوقود، ويمنح في المقابل فرصة لبعض الفاعلين الاقتصاديين لتحويل الأزمات الدولية إلى أرباح محلية سريعة.
وتزداد حساسية هذه الزيادات مع اقتراب نهاية شهر رمضان، وهي فترة تعرف عادة ارتفاعاً في مصاريف الأسر المغربية. فكل زيادة في أسعار المحروقات لا تتوقف عند حدود الوقود فقط، بل تمتد آثارها سريعاً إلى كلفة النقل وأسعار السلع والخدمات، لتتحول في النهاية إلى ضغط إضافي على القدرة الشرائية للمواطنين.
وأمام هذا الوضع، يرى عدد من المتتبعين أن استمرار الحكومة في سياسة تحرير السوق دون آليات فعلية لحماية المستهلك يجعلها تتحمل مسؤولية سياسية مباشرة في ما يعتبره كثير من المغاربة شكلاً من أشكال الإتجار بأزمات المواطنين . فحين تتحول الأزمات الدولية إلى مناسبة لارتفاع الأرباح داخلياً دون تدخل حازم من السلطة التنفيذية، فإن السؤال لم يعد يتعلق بالسوق فقط، بل بطبيعة الاختيارات الاقتصادية التي تتحمل الحكومة مسؤوليتها.
وفي ظل هذا الوضع، تتجه أنظار فئات واسعة من المغاربة إلى إمكانية تدخل حكيم للملك محمد السادس لوضع حد لما يعتبره جزء من الرأي العام انفلاتاً في سوق المحروقات واستغلالاً لظروف الأزمات على حساب معيشة المواطنين.
