*ياسين ايت الطالب :إطار صحي وباحث في سلك الماستر
رغم أن القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية جاء ليترجم الإرادة الرسمية في إصلاح المنظومة الصحية، انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى تعميم التأمين الإجباري عن المرض، فإن تنزيل هذا الورش الاستراتيجي على أرض الواقع يواجه جملة من الإكراهات البنيوية والتشريعية، التي تطرح أكثر من علامة استفهام حول نجاعة النموذج المعتمد، وخاصة ما يتعلق بإحداث المجموعات الصحية الترابية.
يروم هذا القانون الانتقال من نمط تدبير المرافق الصحية المسيرة بشكل إداري تقليدي إلى نموذج المؤسسة العمومية، القائم على الاستقلال الإداري والمالي، وإرساء هيئات جديدة للحكامة والتدبير، في مقدمتها المجموعات الصحية الترابية، وفق مقاربة جهوية تخضع لوصاية السلطة المركزية. غير أن هذا التحول يصطدم بواقع صعب، أبرز تجلياته ضعف الموارد المالية والبشرية، حيث لا يزال الخصاص المهول في الأطباء والممرضين والأطر الإدارية عائقاً أساسياً أمام ضمان الحق في الصحة وتجويد الخدمات.
إلى جانب ذلك، يبرز غياب إطار قانوني واضح ومتكامل ينظم عملية الانتقال نحو المجموعات الصحية الترابية على مستوى الجهات الاثنتي عشرة، ما يجعل هذا الورش محكوماً بالارتباك وعدم الوضوح. ويزداد هذا الإشكال تعقيداً مع طرح مسألة تحويل صفة العاملين في القطاع من “موظفين عموميين” خاضعين لظهير الوظيفة العمومية لسنة 1958، إلى “مستخدمين” تابعين للمجموعات الصحية الترابية، وهو ما يُنظر إليه كتراجع صريح عن مكتسبات تاريخية وحقوق مهنية واجتماعية مستقرة.
كما يثير هذا التوجه تساؤلات جوهرية حول مبررات التخلي عن مركزية الأجور، وعدم إدراج التعديلات اللازمة ضمن مشروع قانون المالية السابق، واللجوء إلى حلول ظرفية انتهى مفعولها بانتهاء سنة 2025، في أفق انتقال فعلي نحو جهوية الأجور ابتداءً من قانون المالية لسنة 2026، بما يحمله ذلك من تهديد للاستقرار المهني والاجتماعي للشغيلة الصحية.
ويُسجل أيضاً غياب تقييم موضوعي لتجربة جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، التي كان يُفترض أن تشكل نموذجاً تجريبياً يتم تطويره وتجويده عبر إشراك الخبراء والفاعلين الميدانيين، بدل التسرع في تعميم تجربة لم تخضع بعد للتقويم العلمي والمؤسساتي. فالحكامة الجيدة في السياسات العمومية تقتضي التدرج، والمشاركة، وربط القرار العمومي بالواقع، لا استنساخ نماذج أجنبية، خاصة التجربة الفرنسية، دون مراعاة الخصوصيات الوطنية.
إن الشغيلة الصحية، ورغم عدم معارضتها للإصلاح باعتباره خياراً استراتيجياً لا محيد عنه، تشدد على ضرورة الحفاظ على صفة الموظف العمومي، وعلى إشراف المديرية العامة للموارد البشرية بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية على عملية الانتقال على المستوى الوطني، وليس الجهوي، في ظل الفراغ التشريعي القائم. كما تؤكد أن جوهر الإصلاح الحقيقي لا يكمن في تغيير البنيات القانونية فحسب، بل في توفير الوسائل والمعدات، وتحسين ظروف العمل، وتفعيل آليات المراقبة، وتحديد الحاجيات بدقة.
وفي هذا السياق، يظل قانون الوظيفة الصحية رقم 09.22 في حاجة إلى مراجعة جوهرية، ليس فقط على مستوى المضمون، بل حتى على مستوى التسمية، بما يكرس مفهوم “الوظيفة الصحية العمومية” ويؤكد الطابع العمومي للمرفق الصحي.
أما على المستوى النقابي، فقد فشل التنسيق النقابي في تتبع وتنزيل اتفاق يوليوز الماضي، حيث جرى التسويق لإنجازات مؤقتة، سرعان ما ستتلاشى بانتهاء العمل بقانون المالية لسنة 2025، دون ضمانات تشريعية صلبة تحمي الحقوق والمكتسبات. وكان الأجدر الدفع في اتجاه تعديل القانون 08.22، وخاصة الباب المتعلق بالمستخدمين داخل المجموعات الصحية الترابية، عبر التنصيص الصريح على صفة الموظف العمومي، بدل الاكتفاء باتفاقات شكلية لا أثر قانونياً دائماً لها.
في المحصلة، تبدو السلطة التنفيذية ماضية في تسريع تعميم المجموعات الصحية الترابية دون احترام الالتزامات السابقة ودون الاستجابة الفعلية لمطالب الشغيلة الصحية، في وقت تظل فيه هذه الأخيرة أسيرة وعود مؤجلة، لم تجد طريقها بعد إلى التنزيل الواقعي
