آخر الأخبار

الصنم…

لنسقط الصنم أرضا من دواخلنا …!
حتى لانضيع في غياهب التقديس…!
لاتذهبوا بخيالكم بعيدا فليس الصنم وثنا في الجاهلية نقدم بين يديه طقوس الطاعة تزلفا وتقربا .وليس ممن ننصب له الخيام في المواسم حتى نقدم له القرابين التي كثير منها لايصل بطون الجياع بل تخزن في متاجر لتباع بالتقسيط لمن يريد تبركا وتنسكا بها كقطع وطلاسيم تفك نحسا مطاردا أو إحباطا ملازما. الصنم الذي نحن بصدده في هذا المقال يعيش بدواخلنا دون أن يستئذن منا الدخول ، يستقر ماشاء له الإستقرار فيبرز بأشكال وأنماط متعددة ،فمرة على شكل تعصب وتطرف ينسف الخصم المقابل لنا مهما كانت آراؤه وجيهة ولأنها جاءت من عنديته فهي مرفوضة وقد يأخذها بعد إقصائه ويعيد صياغتها في قالب جديد لتنسب له مرجعيتها دون ذكر إسم صاحبها . وتارة أخرى في تمجيد ولي النعمة دون أن نفكر لحظة من يكون وماهي هويته وهل يستحق فعلا أن ننزله تلك المنزلة ،لكن ننحاز لأننا من نفس الخنذق والصف. لايهم إن كنا على خطأ أو العكس. ندافع ونكثر سواد الحشد والسواد فلايهم أين نضع أرجلنا بقدرما يهمنا أننا هنا فقط وليس شيئا آخر ، الكبرياء وتضخم الأنا والعزة بالنفس والتعالي على الناس والتفرقة بينهم والتسارع للتخوين والتشهير وغيرها من التفاهات التي تتسارع وثيرة رواجها دون تحري ولا يقظة. كالنار في الهشيم دون أن نقف لها على حد…
كثيرة هي الصور التي تتجول في مخيالنا وفي سلوكاتنا كل يوم وقد ينتصر صنم على آخر في دواخلنا ونحن نصر على إبقائه مادام يحافظ على وجودنا في برجنا العاجي والعالي حتى لانسقط في الأسفل حتى لانقول الحضيض هكذا نحن ،نصر في عناد كبير دون أن نعترف أننا نعيش الوهم وكثير من الشكليات دون الحقيقة .
سياق هذا الكلام أنني إطلعت في أيام الحجر التي جعلتني أرجع بعد غياب طويل لمكتبتي كي ارتبها وأرتب معها أفكاري ومعلوماتي. إطلعت على وثيقة مهمة للكاتب المصري الدكتور علاء الأسواني في قضية تحرير الفكر الموضوعي والتي سلط فيها الضوء على تشخيص جميل ومقتضب لبعض المعيقات التي لاتساهم في تشكليه. ولعل من أهمها السلطة الفكرية في المعاهد والجامعات التي تعتقل حرية المبادرة وإستقلاليتها وأخذ مسافة معقولة ومقبولة منها وأعطى مثال لهذه الوضعية بمكونين أساسين : المحامي والقاضي حيث أن الأول يسعى دائما للدفاع عن موكله باستغلال ثغرات القانون في الملف عكس القاضي الذي يبني قناعته وإيمانه بكل حيثيات الملف فيحكم حسب هذه المعطيات وعلى رأسها عنصرين هامين : الإيمان بالقضية والإقتناع بالقرار ليس شيئا آخر. ترى هل نأخذ نفس المسافة من القضايا قبل تبنيها أو رفضها ، هل نشأنا في بيئة تتبنى منهجية تحرير الفكر الموضوعي وعدم السقوط في حالة الصنمية التي تجعلنا بالضرورة مريدي لفكرة أو شخص أو طريقة أو جماعة . ؟
فنحن في كل الحالات نحتاج لفرز منهجي للقضايا دون خلفية أو أحكام مسبقة ،ولسنا في حاجة أن نتبارز بالأفكار من أجل إثباث صوابية فكرتي وخطأ فكرتك. وهناك من هو مستعد لتصفيتك لمجرد فكرة فإن تعذر عليه الأمر يلجأ للتخوين مع كامل الأسف. حرروا أفكاركم من أصنام صنعتموها بأيديكم والقليل منا من يستطيع التحرر منها…!

ذ ادريس المغلشي.