مراد طيران
منذ أن صاغ كارل ماركس مفهوم فائض القيمة (plus-value) في القرن التاسع عشر، ظل هذا المفهوم حجر الزاوية في النقد الماركسي للاقتصاد السياسي. فقد بين أن تراكم رأس المال ليس ثمرة عبقرية فردية أو مخاطرة السوق، بل هو حصيلة مباشرة لعمل العامل الذي ينتج أكثر مما يتقاضى. هذا الفارق بين القيمة المنتجة وقيمة قوة العمل هو ما سماه ماركس فائض القيمة، وهو جوهر الاستغلال الطبقي.
أما فريدريك إنجلز، فقد لعب دورا أساسيا في توضيح هذا المفهوم وربطه بالبنية الاجتماعية والسياسية للرأسمالية. ففي كتاباته، خاصة في أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، أبرز أن فائض القيمة ليس مجرد علاقة اقتصادية، بل هو علاقة اجتماعية تاريخية تعيد إنتاج التفاوت الطبقي وتؤسس لهيمنة البرجوازية. إنجلز شدد على أن فهم فائض القيمة ضروري لفهم الدولة الحديثة لأنها أداة لحماية هذا الاستغلال وضمان استمراره.
ومع تطور الرأسمالية، تغيرت أشكال الاستخلاص: من المصنع الكلاسيكي إلى الإمبريالية، من النيوليبرالية إلى الترامبية، وصولا إلى الأطراف التابعة مثل المغرب. لكن الجوهر بقي واحدا: البحث الدائم عن مضاعفة فائض القيمة عبر آليات جديدة. هنا تأتي محاولة إدخال أدوات الرياضيات السياسية لتجسيد دينامية التراكم وإظهار كيف يتحول الاستغلال من صياغة أولية إلى منحنيات معقدة.
الرأسمالية الكلاسيكية (ماركس وإنجلز)
في المصنع الكلاسيكي، يستخلص فائض القيمة (plus-value) من طول يوم العمل وخفض الأجر. العامل ينتج قيمة (V) أكبر من قيمة قوة عمله (W)، والفارق هو ما يستولي عليه الرأسمالي. إنجلز أضاف أن هذا الفارق ليس اقتصاديا فقط بل هو أساس التفاوت الاجتماعي والسياسي.
في مصانع النسيج في إنجلترا القرن التاسع عشر، حيث كان العمال يعملون 12 ساعة يوميا ويتقاضون أجرا لا يغطي سوى الحد الأدنى للعيش، بينما تراكمت أرباح هائلة لدى أصحاب المصانع.
الصياغة الرياضية الخطية:
S=V-W
S: فائض القيمة (plus-value).
V: القيمة المنتجة في يوم العمل.
W: قيمة قوة العمل أو الأجر.
لكن إذا ما استحضرنا إعادة الاستثمار والتراكم الذي يحققه رأس المال على مر الزمن، وأدخلنا مفهوم الزمن في التحليل، فإن المعادلة تصبح:
C(t)=C0ert
C(t): رأس المال المتراكم عبر الزمن.
C0: رأس المال البدئي.
r: معدل تراكم فائض القيمة.
t: الزمن.
الإمبريالية (لينين)
لينين بين أن فائض القيمة لم يعد محصورا في المصنع، بل صار يستخلص عبر الاستعمار والاحتكارات. هنا يظهر فائض القيمة الاستعماري (plus-value coloniale)، أي نهب الموارد والعمل الرخيص في المستعمرات.
نهب القطن من الهند والمعادن من إفريقيا، حيث كانت القوى الاستعمارية تستولي على الموارد بأثمان زهيدة وتعيد بيعها في الأسواق الأوروبية بأرباح ضخمة.
الصياغة الرياضية:
Simp(t)=(V(t)-W(t))+M⋅ln(1+t)
Simp(t): فائض القيمة في المرحلة الإمبريالية.
M: فائض القيمة الاستعماري.
ln(1+t): يوضح أن مردودية التوسع الاستعماري تتباطأ مع الزمن.
النيوليبرالية
في النيوليبرالية لم يعد فائض القيمة مقتصرا على الإنتاج الصناعي، بل صار يستخلص من مجالات جديدة: المالية و الخوصصة و العولمة و الرقمنة. كل مجال ينتج فائض قيمة خاص (plus-value spécifique) بسرعة مختلفة.
فمثلا برامج صندوق النقد الدولي التي فرضت الخوصصة في بلدان الجنوب، حيث تحولت الخدمات العمومية إلى مصدر ربح للشركات بينما تدهورت شروط العمل والمعيشة.
الصياغة الرياضية:
Sneo(t)=(V(t)-W(t))+i=1kXi(t)ni
Sneo(t): فائض القيمة في المرحلة النيوليبرالية.
Xi(t): المجال (مالية، خوصصة، عولمة، رقمنة).
ni: الأس الذي يعكس سرعة تضاعف الاستغلال في كل مجال.
الترامبية ( النيوليبرالية الجديدة)
الترامبية هي التعبير السياسي عن أزمة النيوليبرالية. فائض القيمة يستخلص عبر:
الرقمنة (plus-value numérique): استغلال البيانات والعقل الرقمي.
الصفقات الجيوسياسية (plus-value géopolitique): تحويل السياسة إلى مصدر ربح عبر الابتزاز والاتفاقيات.
اتفاقات أبراهام التي حولت السلام إلى صفقة مربحة عبر عقود السلاح والاستثمارات، ورسوم ترامب الجمركية التي كانت أداة ابتزاز اقتصادي.
الصياغة الرياضية:
STrump(t)=(V(t)-W(t))+i=1meXi(t)ni+G⋅ln(1+t)
STrump(t): فائض القيمة في المرحلة الترامبية.
eXi(t)ni: النمو الأسي لفائض القيمة الرقمي.
G: الفائض الجيوسياسي.
في المغرب، البرجوازية الكومبرادورية لا تنتج فائض القيمة عبر الصناعة الوطنية، بل عبر:
الريع (plus-value rentière)،
الرقمنة منخفضة الأجر (plus-value numérique)،
الصفقات الأمنية العسكرية (plus-value géopolitique).
مراكز الاتصال التي تستغل العمال بأجور زهيدة لإنتاج فائض قيمة رقمي يعاد تدويره في أوروبا، والاتفاقيات العسكرية مع إسرائيل التي تحول الموقع الجيوسياسي إلى سلعة في السوق الإمبريالي.
الصياغة الرياضية:
SMaroc(t)=(V(t)-W(t))+R(t)nr+eD(t)nd+G⋅ln(1+t)
Smaroc(t): فائض القيمة في المغرب.
R(t)nr: فائض القيمة الريعي.
eD(t)nd: فائض القيمة الرقمي.
G⋅ln(1+t): فائض القيمة الجيوسياسي.
إن محاولة صياغة الرياضيات السياسية لفائض القيمة تكشف أن هذا المفهوم ليس ثابتا، بل يتغير عبر أطوار الرأسمالية:
في الصياغة الخطية لماركس وإنجلز: الاستغلال المباشر في المصنع.
مع إدخال الزمن والتراكم: يتحول إلى نمو أسي.
في الإمبريالية: يضاف فائض القيمة الاستعماري بشكل لوغاريتمي محدود مرتبط بأشباع السوق la saturation.
في النيوليبرالية: تتعدد المجالات وتختلف سرعات الاستغلال.
في الترامبية: هجينة بين الأسي (رقمي) واللوغاريتمي (جيوسياسي).
في المغرب التبعي: ريع خطي، رقمنة أسية، جيوسياسة محدودة.
هذا المقال هو اجتهاد فردي ينطلق من تصور شخصي، و ليس عن مختبرات علمية دقيقة. إنه محاولة لقراءة مفهوم فائض القيمة عبر أدوات الرياضيات السياسية، وإبراز دينامية التراكم التاريخي للرأسمالية من المصنع الكلاسيكي إلى الرقمنة الترامبية والمغرب.
