إدريس الأندلسي
أصبحنا نصاب بالملل كلما فتحنا قنواتنا الإذاعية و التلفزية. نشراتنا الإخبارية تحررت من كل الشعارات التي رفعت قبل عقود في زمن ” التلفزة تتحرك”. تراجعت إذاعة ” ميدي ان ” لتصطف إلى جانب إذاعات المغرب الرسمية، و كذلك فعل التلفزيون، الطنجاوي الموقع ، بعد أن تفاقمت توازنات حساباته المالية. و زادت التغيرات السلبية للمشهد الإعلامي، بفعل إذاعات خاصة و مواقع إليكترونية، أغلبها تافه جدا. و تربعت التفاهة في قلب استديوهات يمولها دافعوا الضرائب. يستعرضون بضاعة لا تخدم سوى تفاهات في فنون الغناء و المسرح و السينما.
تلفزيوننا العمومي يظل “هو هو ” كما تركه ، الراحل إدريس البصري، وزير الدولة في الداخلية و الإعلام ، الذي دبر بالقمع جزءا كبيرا من ” سنوات الرصاص ” . تلفزيوننا، اختص منذ سنين في إتقان دور الناطق الرسمي بإسم كل السلطات في كافة المجالات. وحطمت أجهزة الإعلام الرسمي أرقام ” جينيس” في الزمن المخصص للنشرات الإخبارية. و تفاقم الأمر حين احتلت كرة القدم و تغيرات المناخ جزءا إضافيا يغلب عليه تكرار الكلام عن الكرة و مقاييس الأمطار بشكل ممعن في التكرار . أرهق الكثير من المحررين و المراسلين في عمل يشبه ” الانشاء بأسلوب متكرر” ، و لا يشبه، في شيء ، العمل الصحافي المهني. و أصبح مضحكا إستقبال ” خبراء في كل المجالات ” خلال النشرات الإخبارية يرددون كلاما قيل طيلة اليوم عن حدث أو لا حدث. و لكنهم لا يخجلون. خبراء كبار لا يفقهون شيئا في الحسابات الماكرواقصادية، و في تلك التي تتعلق بالمالية العمومية يخلطون بين حسابات الميزان التجاري بتلك التي تتعلق بميزان المدفوعات. و أتذكر ذلك الإحراج الذي كانت تعرفه ندوات بمناسبة دورات المجلس الإداري لبنك المغرب، و الذي كان يتسبب فيه حضور ” صحافيين” قد يكون بعضهم مختص في الدراسات الإسلامية أو في مجالات بعيدة عن التحليل المالي و الإقتصادي. و يتكرر يوميا دعوة كل عابر سبيل للتعليق على الأخبار. و جلهم يرددون جملا مبتذلة لا تسمن و لا تغني من جوع معرفي.
و سيظل السؤال الذي يستلزم إجابة “مغربية و يحمل ثقل تمغرابييت” عليه هو سبب غياب الإعلام الرسمي عن القيام بالهجوم المضاد على جيران السوء الذين يمعنون في الكذب و الإساءة لبلادنا و لكافة المؤسسات، و حتي للمواطنين يوميا . بالأمس جندت الجزائر عملاءها خلال كأس أفريقيا، و سكتت وسائل الإعلام الرسمي. تكلم مدرب جنوب أفريقيا بقبح جلي على جودة فنادقنا، و ملاعبنا و بنياتنا الطرقية، و كان الرد عليه من رواد المواقع الإجتماعية. و كان حريا أن تتحرك كاميرا القنوات الرسمية لفندق إقامة جنوب أفريقيا و إلى ملعب تداربيه لكي تكشفه ، و تفضح أكاذيبه المتعمدة، و المدفوعة الثمن من طرف من كلفوه بمهمة تخدم كل شيء الا كرة القدم . و أستمر الغياب الإعلامي الرسمي لفضح الاعيب الوفد الرسمي السنغالي الذي أصدر بيانا عدوانيا عن وصوله للرباط قبل أن يصل إليها. و أحدث فوضى في محطة القطار بإعلانه عن ساعة وصول فريقه الوطني . و سكتنا عن انخراطهم في عملية عدائية، لها جدور في عداء الجزائر للنجاح ، انطلقت عاما قبل انطلاق كأس أفريقيا. و لا ينبس إعلامنا العمومي ببنت شفة ليفضح مناورات طغمة الكابرانات. و الابشع من هذا هو تركيز هذا الإعلام على خطاب البحث عن رضا بعض مشجعي الفرق المشاركة لكي يحكموا على مستوى ما ينتظروه منا. صورت كاميرات قنواتنا جزائريين و هم يطوفون بشوارعنا حاملين اعلام بلادهم التي منع حكامها ، مرات عدة، إظهار علمنا الوطني في ملاعبها. و تمنعت قنواتنا عن فضح السلطات العسكرية الجزائرية التي لا تفرق بين المنافسة الرياضية و ذلك العنف الذي يسكنها حين يتعلق الأمر بكل ما هو مغربي.
إذا لم يساهم الإعلام العمومي في رد الصاع صاعين لمن يسيئون يوميا لبلادنا، و من بين هؤلاء من يعيشون بيننا من المغاربة ،الذي أحبوا و لا زالوا يحبون كرم أعدائنا مقابل خدمات في ندوات، إلى حد جعلهم يفقدون التحكم في حقدهم على بلادهم. و هؤلاء يتغاضون عمن يعادون وحدتها الترابية، فلا داعي لتمويل هذا الإعلام، و لا لجعله يجثم على مسامعنا بنشرات طويلة و مملة تنتمي إلى عهود مضت. و ترجع بي الذاكرة إلى إعلامنا خلال حرب 1963 ضد من عضوا اليد التي اكرمتهم، و سلحتهم، و وهبتهم خيراتها، و فتحت أمامهم المساكن و المستشفيات و المدارس. أتذكر أحد المذيعين الملقب ” بكوتا ” الذي كان يزعج أعداء بلادنا، و الذي كان يقض مضجع القذافي الذي مول بكرم كبير بعض المعارضين، بمن فيهم من صنعوا تلك اللعبة التي سلمها ” ملك أفريقيا و القائد الكبير السخي على من يبجله، و الفاتح الاعظم ” إلى كابرانات الجزائر. و قد على ” نفسها قد جنت براقش ” الجزائرية التي ضيعت الملايير على خونة مغاربة ، و جلبت لهم آلاف من الماليين و السنغاليبن و الصوماليين و النيجيريين ليعمروا أراضي تندوف المغربية التي ضمتها فرنسا للجزائر. و انقلب السحر على الساحر حين أصبح فعل الكابرانات وبالا على أموال الشعب الجزائري. و لكل ما سبق وجب على القنوات الرسمية المغربية فضح كل مؤامرات الجزائر يوميا و بدون هوادة ، و ذلك عبر إنتاج مواد إعلامية حقيقية و ذات مصداقية عن معاناة الشعب الجزائري الذي يصفه العالم بشعب الطوابير للحصول على حصة من المواد الطاقية و الغذائية.
أما الرد على بعض الأنظمة الأفريقية، فيجب أن يتم فتح كثير من الملفات بعقلية دبلوماسية مسؤولة تراعي العلاقات التاريخية، و لكنها تحمي بلادنا من تأثيرات هجرات غير قانونية على مدننا و قرانا و أمننا. و لا يجب أن يغيب موضوع حيوي كهذا عن برامج التلفزيون العمومي. أخاف أن تتطور الهجرة غير الشرعية إلى مواجهات تنطلق من مباراة كرة قدم، لتصل إلى أحداث خطيرة يختلط فيها الحابل بالنابل. و لا نتمنى أن نكرر غدا عبارة جدية تؤكد على أن ” البادئ أظلم “. و كم هو مستفز ايجابيا أن نرى إعلاميين جزائريين يواجهون كذب الكابرانات بالصدق و البراهين التاريخية عن سبب ” خلق العدو الخارجي الكلاسيكي” لإلهاء شعب نهبت ثرواته منذ سيطرة العسكر على الجزائر. و يغيب الفعل الإعلامي الرسمي المغربي عن تخصيص برامج للمؤرخين الذين يعرفون العوامل الموضوعية التي أدت إلى معاداة التاريخ من طرف من يحكمون جزائر اليوم، و يغيبون المواطن. قال أحد وزراء الجزائر ” أنهم متسللون إلى تاريخ ” صنعه الإستعمار ، و إعلام جمال عبد الناصر ” خارج التاريخ
Les clandestins de l ‘histoire.
لدينا مثقفون، و مؤرخون يعرفون دقائق الأمور عن بنيات الامبراطوريات و المملكات المغربية التي حكمت المغرب ، و عن القبائل و تفرعاتها منذ أكثر من 12 قرنا. و يجب أن يساهموا في فضح الكذب الرسمي الجزائري.
و لكل ما سبق، يجب أن يتحول إعلامنا الرسمي من مؤسسة تدبر تقنيات التصوير و الإلقاء إلى آلة تساهم في صنع الرأي الوطني الواعي بتاريخ بلاده، و تبين التحديات التي يجب رفعها لدحض كذب سيئ السلوك و النيات ممن ” اطعمناهم من جوع و آمنناهم من خوف” أمام نير الإستعمار الفرنسي. أصبح لزاما أن نعرف الشعب الجزائري بتاريخه الحقيقي. و من الازم أن يعرف شباب الجزائر أن قادة التحرير الحقيقيين، و الشهداء فعلا ، قد قتلوا بأيدي كابرانات فرنسا. و أصبح الخبث كبيرا حين تحول الخائن إلى زعيم . و للعلم، أذكركم يا أبناء جلدتي أن العلاقات الدولية لا تعترف بعبارات أشقائي المسلمين، و العرب، و الأفارقة و الهنود . فكفى من ترديد ” ببغاءي ” لعبارات شعبوية مثل خاوا خاوا… ما كاينة عداوة “.
