آخر الأخبار

إرادة التغيير وإرادة الحكم: حدود التماهي بين المشروع والموقع

مصطفى المنوزي 

ليست إرادة التغيير أو الإصلاح هي إرادة مزاولة السلطة، وإن أمكن أن تتصل بها وتتخذ منها وسيلة؛ فالأولى تتعلق بالتحول المنشود في توزيع الحقوق والموارد والاختصاصات، بينما تتعلق الثانية باكتساب القدرة على اتخاذ القرارات الملزمة وتدبير المؤسسات. وقد يصبح الحكم أداة للإصلاح، كما قد تتحول الدعوة إلى الإصلاح إلى أداة لبلوغ الحكم ؛ لذلك تظل الإشكالية المركزية : كيف نميز بين المشروع والموقع والاختصاص والأثر دون أن نعزلها عن علاقاتها المتبادلة؟.

يساعد التفكير النسقي على تجاوز الاستدلال بالموقع على القصد والمقصد، ويوجه النظر إلى العلاقات والموارد والقيود التي تحكم الفعل ، وتفيد نسقية نيكلاس لومان في فهم تمايز المجالات وكذا منطق اشتغالها، بينما يتيح التفكير المركب عند إدغار موران الجمع بين التمييز والربط، والانتباه إلى عودة النتائج للتأثير في العمليات التي أنتجتها؛ والاستعانة بالمرجعيتين لا تعني تطابقهما، بل توظيفهما لفهم كيف يتغير المشروع أثناء ممارسته، وكيف يعيد الموقع تشكيل صاحبه ؛ وبهذا المعنى، لا يثبت العمل في المؤسسات التخلي عن إرادة التغيير، ولا يضمن البقاء خارجها استقلال المشروع وفعاليته ؛ فقد تمنح المؤسسة الفاعل أدوات الإنجاز، وتخضعه في الوقت نفسه لضغط التحالفات وشروط الاستمرار.د ؛ وقد يفتح الاحتجاج المجتمعي قضايا تستبعدها الأجندة الرسمية، دون أن ينجح في تحويلها إلى قرارات؛ ويصبح الاختبار هو مدى اتصال الوسائل بالمقاصد، وقدرة الفاعل على مراجعة اختياراته عندما تعطل الغاية التي أعلنها.

كما أن السلطة لا تختزل في الحكومة؛ فالتأثير في القرار يتوزع بين مؤسسات وأجهزة ومصالح اقتصادية وقنوات إعلامية وقوى الضغط وتنظيمات اجتماعية ؛ وقد يمتلك فاعل خارج المؤسسات المنتخبة قدرة على توجيه بعض الاختيارات تفوق قدرة فاعل داخلها ، لذلك لا يستقيم التقابل بين الداخل والخارج دون تحديد داخل أي مؤسسة، وخارج أي دائرة قرار، وبأي موارد للتأثير؟.

وتحتاج المعارضة بدورها إلى تحديد موضوعها. فقد تتجه إلى مضمون سياسة، أو طريقة ممارسة السلطة، أو توزيع أصناف الاختصاصات، أو قواعد إنتاج السلطة ومصادر مشروعيتها. وهذه مستويات متفاعلة، لكنها غير متطابقة: ففشل برنامج لا يثبت وحده خلل المنظومة بأكملها، بينما قد يبرر تكرار الفشل رغم تبدل الحكومات البحث في قيود بنيوية تتجاوز الأشخاص والبرامج. ومن ثم، لا يصح اعتبار كل اعتراض على سياسة رفضًا للنظام السياسي، ولا اختزال كل مطلب بنيوي في مجرد سوء تدبير

أما وصف المعارضة بأنها «تقليدية»، فيظل ملتبسًا ما لم نحدد هل نقصد تاريخها الاحتجاجي، أم خطابها المتقادم ، أم موقفها من النظام. والأدق التمييز بين المعارضة البرلمانية والاحتجاج المجتمعي والمعارضة المطالبة بتغيير قواعد إنتاج السلطة، مع إمكان اجتماعها في فاعل واحد. فالمشاركة البرلمانية لا تمحو بالضرورة مطلبًا بنيويًا، والاحتجاج خارج البرلمان لا يثبت، بمجرده، وجود بديل للحكم.

كذلك لا يتطابق الاصطفاف البرلماني مع الاصطفاف المجتمعي؛ فالأول ينتظم حول الأغلبية والثقة والتصويت والتسويات التشريعية؛ بينما يتشكل الثاني حول المصالح والحقوق والقيم والتجارب الاجتماعية؛ وقد تتقارب أحزاب متنافسة في اختيارات اقتصادية، ويتوزع المتضررون منها بين ناخبي الأغلبية وناخبي المعارضة، أو تجمع قضية مهنية فاعلين متباعدين انتخابيًا.د ، لأن التمثيل صلة بين المجتمع والمؤسسة، وليس تطابقًا بين خريطة كل منهما ؛ واختلاف المواقع لا يكفي لإثبات اختلاف البدائل.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند تناول «المجال المحفوظ» في السياق المغربي.د ؛ فهذا توصيف سياسي لا يكفي، بمجرده، لإخراج كل قضية استراتيجية أو حيوية من اختصاص البرلمان ؛ على الاقل على مستوى الرقابة البرلمانية والتصويت على الميزانيات ذات الصلة ، ويقتضي التدقيق التمييز بين التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، والسياسة العامة، والسياسات العمومية والقطاعية، وأدواتها التشريعية والمالية ؛فالدستور يوزع التداول بين المجلس الوزاري ومجلس الحكومة، ويخول البرلمان التشريع ومراقبة الحكومة وتقييم السياسات العمومية، كما يجعل السياسة العامة موضوعًا لأسئلة يجيب عنها رئيس الحكومة . نسقيًا، لا تمثل هذه المستويات مجالات معزولة؛ فالاختيار على المستوى الاستراتيجي قد يحتاج إلى قانون وتمويل وتدابير تقنية وتنفيذية، وقد تكشف نتائجه الحاجة إلى تعديل أدواته.د ؛ لكن اتصالها لا يلغي تمايز اختصاصاتها ، من تحديد التوجه، وكذا إقرار القاعدة القانونية، وتخصيص الموارد، والتنفيذ والمساءلة، أعمال مختلفة. وفي المجال المالي، يمارس البرلمان صلاحياته ضمن القيود الدستورية، ومنها الفصل 77؛ وفي المجال الأمني، لا يعادل حضور رئيسي المجلسين في المجلس الأعلى للأمن رقابة برلمانية جماعية ؛ وعليه، لا يملك البرلماني اختصاصًا تنفيذيًا فرديًا، لكنه يشارك في صناعة القرار بأدوات الاقتراح والتعديل والتصويت والمساءلة، وبعضها مشروط بمساطر وعتبات جماعية ؛ وينبغي هنا التمييز بين غياب الصلاحية، وضعف القدرة على التأثير، وكذا الإحجام عن استعمال اختصاص قائم؛ فلكل حالة مسؤولية مختلفة. كما أن وصف القضية بأنها استراتيجية لا يحجب تلقائيًا ما يدخل من أدواتها وآثارها ضمن التشريع والرقابة ؛ والسؤال هو: أين يتحدد التوجه، ومن يقر قواعده وموارده، ومن ينفذه، وأمام من تُعلَّل نتائجه .

غير أن توافر الاختصاص الدستوري لا يكفي وحده لضمان فعالية ممارسته؛ وهنا تبرز أهمية التكوين والتخصص والمهنية بوصفها شروطًا لتحويل الصفة التمثيلية إلى اقتدار فعلي ؛ فالشرعية الانتخابية تمنح النائب حق ممارسة مهامه، لكنها لا توفر تلقائيًا أدوات فهم النصوص وتقدير آثارها القانونية والماليةوالاجتماعية. ولا يقتضي ذلك أن يكون خبيرًا في كل المجالات، بل أن يمتلك تكوينًا دستوريًا ومنهجيًا يتيح له تحديد اختصاصه، وصياغة السؤال، وفحص المعطيات، والاستعانة بالخبرة دون الارتهان لها. ويعزز التخصص داخل اللجان، والتكوين المستمر، والدعم البحثي المستقل، قدرته على وصل المعرفة بالتشريع والرقابة والتقييم ؛ أما المهنية فتُختبر في جودة المبادرة والتعليل والمتابعة، لا في كثافة الحضور والخطاب وحدهما؛ وبذلك يصبح التكوين رافعة لاستقلال الحكم، تتيح للنائب مناقشة الخيارات الحزبية وايضا الحكومية بوعي، وتحمل مسؤولية موقفه أمام المجتمع.

ينشأ التماهي عندما تُضغط هذه العلاقات في ثنائية الحكومة والمعارضة، أو الداخل والخارج، أو الولاء والخصومة. عندئذ يحل الموقع محل تحليل المشروع، ويصبح نقد القرار حكمًا على حال الانتماء، وتُفهم المشاركة باعتبارها قبولًا شاملًا، والاحتجاج باعتباره رفضًا شاملًا. وتفحص القراءة النسقية وظيفة هذا الاختزال: هل ييسر التعبئة، أم يحصن القرار من النقد، أم يحجب تقارب المصالح خلف اختلاف الخطاب؟.

وتفحص أيضًا ما يحدث للمطالب أثناء انتقالها إلى المؤسسات ؛ فالمطلب الاجتماعي حين يتحول إلى مقترح قانون أو تعديل مالي أو موضوع تفاوض، قد يكتسب قابلية التنفيذ وقد يفقد جزءً من مضمونه ؛ ولذلك تقاس جودة هذه الصلة بقدرة المجتمع على التأثير في تعريف المشكلة والبدائل، وبقدرة ممثليه على تعليل التسويات وقبول المساءلة. فاستقرار النسق لا يثبت عدالته، واستيعاب الاعتراض لا يثبت الاستجابة له.

وعلى هذا الأساس، يقتضي تقييم النائب تجاوز تصنيفه في الأغلبية أو المعارضة إلى فحص استعماله صلاحياته: هل يحول المطالب إلى تشريع ورقابة وتقييم؟ وكيف يوازن بين استقلال تقديره والانضباط الحزبي، وبين تمثيل الأمة والاستجابة لناخبيه؟ ومن هنا يظل السؤال مفتوحًا: هل النائب البرلماني فاعل عمومي يصوغ البدائل، ومشرّع يشارك في بناء القواعد، ووسيط يصل المجتمع بالمؤسسات؛ أم تتحول نيابته إلى مجرد وكالة حزبية؟ وما الشروط التي تتيح له الجمع بين هذه الأدوار دون فقدان استقلال حكمه ومسؤوليته تجاه الأمة؟ .