آخر الأخبار

أسواق نموذجية مغلقة وشارع مستباح بمراكش.. من عطّل الحل وترك الفوضى تتمدد؟

بمراكش، المدينة التي تُقدَّم كواجهة سياحية وحاضرة كبرى، يحدث شيء يشبه “العبث الصامت”: أسواق نموذجية أُنجزت في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، شُيّدت لتكون بديلاً منظماً للباعة الجائلين… لكنها ظلت مغلقة، مهجورة، وكأنها لم تُبنَ من الأصل.
وفي الجهة المقابلة من الصورة، ينفتح الشارع على مصراعيه للفوضى: أرصفة تختفي تدريجياً، ممرات الراجلين تتحول إلى نقاط بيع، منافسة غير متكافئة بين من يشتغل داخل القانون ومن يشتغل خارجه، ونفايات تتراكم بعد نهاية “التجارة اليومية” لتترك وراءها روائح ومخلفات تُشوّه المجال العام وتُثقل كاهل خدمات النظافة.
تحقيق “مراكش اليوم” يفتح هذا الملف من زاوية بسيطة لكنها مؤلمة:
كيف يمكن الحديث عن محاربة احتلال الملك العمومي، بينما البدائل جاهزة ومغلقة؟ ومن يفسر أن الحلول تُنجز بالإسمنت ثم تتوقف عند أبواب موصدة؟
أسواق بُنيت لتُنظّم… لكنها ظلت خارج الخدمة
ضمن جهود المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، جرى إنجاز مجموعة من الأسواق النموذجية بمراكش بهدف احتضان التجارة غير المهيكلة، وتقليص الضغط على الملك العمومي، وخلق شروط اشتغال أكثر إنصافاً وكرامة للباعة.
غير أن الواقع يكشف أن عدداً من هذه الأسواق ما يزال مغلقاً أو شبه مهجور، ومن بينها:
سوق الخير بحي الداوديات
سوق الشرف بحي الشرف
سوق عين إيطي (مشيد منذ ما يقارب عقدين من الزمن)
سوق الواحة بحي دوار الظلام
سوق العزوزية
أسواق من المفروض أن تُخفف العبء على الأرصفة والشوارع، لكنها تحولت إلى فضاءات فارغة بلا أثر فعلي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حلول عملية لتنظيم المجال العام.
حين يعطل البديل… يتمدد الاحتلال
في المقابل، يتوسع احتلال الملك العمومي بمراكش بشكل يومي، سواء عبر الباعة الجائلين أو عبر مظاهر بيع عشوائي تُحاصر الأرصفة وتغلق ممرات الراجلين، ما يدفع المواطنين في حالات كثيرة إلى استعمال الطريق بدل الرصيف.
هذا الوضع لا يمس فقط النظام العام، بل يمس بالدرجة الأولى حقاً أساسياً هو حق المارة في السير الآمن، خصوصاً بالنسبة للأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، الذين يصبحون في مواجهة مباشرة مع المخاطر بسبب تضييق الفضاء العمومي.
والسؤال هنا لا يتعلق بلقمة عيش أحد، بل يتعلق بتدبير مدينة كاملة:
كيف تبقى الأسواق مغلقة، بينما الشارع يتحول إلى سوق مفتوح؟
مخلفات الأزبال… وجه آخر للفوضى
من أبرز الآثار السلبية المرتبطة بهذه الظاهرة، ما يخلفه بعض نشاط البيع العشوائي من مخلفات الأزبال والنفايات، سواء بقايا الخضر والفواكه أو الكرتون والأكياس البلاستيكية، ما يحول عدداً من النقاط إلى فضاءات متسخة بعد انتهاء ساعات البيع.
ومع تكرار هذا المشهد يومياً، تتضرر جمالية الأحياء، ويزداد الضغط على خدمات النظافة، وتتعزز شكاوى الساكنة من الروائح والمخلفات التي تُسيء للمدينة ولصورتها.
الاحتلال لا يقتصر على الباعة الجائلين… بل يشمل تمدداً ثابتاً
الملف لا يرتبط فقط بالباعة المتنقلين، بل يشمل أيضاً محلات تجارية تستغل الأرصفة وتفرض “أمراً واقعاً” عبر عرض السلع خارج حدودها القانونية أو تثبيت تجهيزات تعيق المرور.
هذا النوع من الاستغلال يجعل المواطن يشعر بأن الرصيف لم يعد ملكاً عاماً، بل مساحة قابلة للاقتطاع حسب النفوذ والفرصة، وهو ما يطرح أسئلة حول المراقبة ومدى احترام القانون وتطبيقه على الجميع دون انتقائية.
مفارقة الجبايات: من محل قانوني إلى بيع في الشارع
وسط هذا المشهد، تبرز مفارقة أخرى لا تقل خطورة، تتعلق بالجبايات والضرائب. فحسب معطيات متداولة، فإن بعض أصحاب المحلات التجارية، أمام ما يعتبرونه تكاليف مرتفعة تستنزف مداخيلهم، يختارون في حالات معينة إغلاق المحلات والتوجه نحو البيع في الشارع بشكل أقرب إلى طريقة الباعة الجائلين، هروباً من الالتزامات التي يفرضها النشاط التجاري المنظم.
وفي حالات أخرى، يستمر المحل قائماً، لكن يتم استغلال الملك العام أمامه بشكل غير رسمي، بل إن بعض الممارسات تصل إلى حد “تأجير” الرصيف أو جزء من الملك العمومي لعرض سلع مغايرة عن سلع المحل، بما يحول الفضاء العام إلى واجهة للبيع خارج الضوابط.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة:
هل أصبح الشارع بديلاً اقتصادياً للهروب من الالتزام، على حساب حق المواطن في الرصيف والنظام والنظافة؟
شهادات من الميدان: اليومي الذي يختنق بصمت
ضمن هذا التحقيق، استقت الجريدة شهادات تعكس حجم الضغط اليومي الذي تعيشه الساكنة:
مواطن من حي الداوديات:
“كنخرج نخدم ونلقى الرصيف مسدود… كنضطر نهبط للطريق، خصوصاً مع الزحام. المشكل ماشي فالبائع، المشكل فالفوضى… فين غادي نمشيو؟”
سيدة من المارة:
“الأزبال كتخلى من وراهم، وكتولي الرائحة خايبة… كنشوف هادشي وكنقول واش هادي مدينة سياحية ولا سوق مفتوح بلا قانون؟”
تاجر يشتغل بشكل قانوني (فضّل عدم ذكر اسمه):
“حنا كنخلصو الكراء والضريبة والواجبات… ولكن اللي كيعرض فالشارع كيبيع أرخص وكيدير اللي بغا، وفي الأخير أنا اللي كنخسر الزبون.”
عامل نظافة (مصدر):
“من بعد ما كيساليو البيع كتلقا الكارطونات وبقايا الخضر فالأرض… كنولّيو حنا كنخدمو جوج مرات، والتنظيف كيبقى يومي وما كيسالاش.”
شهادات تضع الملف في سياقه الصحيح: الضرر لا يقع على طرف واحد فقط، بل على المدينة كلها.
خاتمة بنداء واضح: افتحوا الأسواق قبل أن تصبح الفوضى هي القاعدة
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط تحرير الأرصفة بحملات ظرفية، بل في قرار عملي يضع حداً لهذه المفارقة: أسواق نموذجية مغلقة، مقابل شارع مستباح.
ولهذا، فإن نداء ساكنة مراكش واضح:
افتحوا الأسواق النموذجية التي شُيّدت في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فعّلوها، زوّدوها بشروط التسيير والكرامة، وامنحوا للباعة فضاءً منظماً يحفظ حقهم وحق المدينة.
وبالموازاة مع ذلك، يبقى ضرورياً:
حماية حق المارة في الرصيف،محاربة كل أشكال الاستغلال غير القانوني للملك العمومي،ضبط التوسعات العشوائية دون انتقائية،
ومعالجة جذور الظاهرة بدل الاكتفاء بإطفاء نارها مؤقتاً.

لأن مراكش تستحق أن تكون مدينة منظمة ونظيفة وعادلة…
لا تضيع فيها التنمية بين أبواب مغلقة وأرصفة مخنوقة.