في السياسة، ليس هناك ما يثير الاستغراب أكثر من أن يعلن من يمسك بمفاتيح القرار أنه جاء ليستمع. فحين تطلق شبيبة حزب الأصالة والمعاصرة بجهة مراكش-آسفي مبادرة تحت شعار “أجي نسمع ليك” و“كلنا أذن صاغية”، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ببساطة:
لماذا كانت آذان المسؤولين مغلقة طيلة سنوات التدبير؟
الإنصات في العمل السياسي ليس موسما دعائيا، ولا جولة في المقاهي والدروب الضيقة، بل هو ممارسة يومية داخل المؤسسات المنتخبة حيث تصنع القرارات، وتصرف الميزانيات، وتحدد الأولويات. أما أن يتحول الإنصات إلى حملة ميدانية مؤطرة بالشعارات والوسوم، فذلك يطرح مفارقة واضحة: كيف يحتاج من يملك السلطة إلى البحث عن صوت المواطن خارج المؤسسات التي يفترض أنها وجدت أصلا لتمثيله؟
اليوم، تدبير عدد من المؤسسات الأساسية بالجهة يوجد في يد نفس العائلة السياسية التي تدعو إلى “الإنصات”. بل إن هذا الحزب نفسه ترأس مجلس جهة مراكش-آسفي لولايات متتالية. ومع ذلك، فإن السؤال المشروع الذي يطرحه المواطنون هو: ما الأثر التنموي الذي تركته تلك السنوات؟
لقد جاء زلزال الحوز ليكشف جانبا من الواقع الذي ظل بعيدا عن لغة الشعارات، حيث ظهرت هشاشة البنيات التحتية وواقع طرق مهترئة في عدد من المناطق الجبلية. واليوم، ما تزال أسر عديدة تقاوم قساوة الظروف المناخية، وبعضها لا يزال يبيت في العراء في انتظار حلول حقيقية. وهنا يبرز سؤال يتجاوز الشعارات:
كيف سيقنع خطاب الإنصات ساكنة ما تزال تنتظر السكن وإعادة الإعمار، في وقت يتولى فيه الحزب نفسه تدبير قطاعات حكومية وازنة، من بينها وزارة الإسكان؟
أنتم جزء من منظومة القرار في الجهة، وتمارسون المسؤولية داخل المؤسسات المنتخبة.
فلماذا لم تتحول شعاراتكم السابقة إلى قرارات؟
ولماذا ما زال المواطن يشتكي من نفس القضايا التي رفعت في برامج انتخابية سابقة؟
البرنامج الانتخابي لا يبنى من جديد كل مرة، بل يُقيَّم أولا ما تحقق منه، وما الذي تعثر، ولماذا.
المواطن في مراكش ،آسفي ،اليوسفية ،شيشاوة ،الصويرة وأيت أورير لا يحتاج بطاقة استماع رقمية بقدر ما يحتاج أجوبة واضحة عن أسئلة ملموسة:
لماذا تعثرت المشاريع؟
لماذا تتكرر نفس الاختلالات في التدبير الترابي؟
ولماذا تقترب السياسة من الشباب فقط عندما تقترب الاستحقاقات الانتخابية؟
كما يطرح المواطنون سؤال الثقة السياسية نفسها. فالتواصل مع الساكنة لا ينبغي أن يكون موسميا ثم يختفي بعد ذلك. الثقة تبنى بالاستمرارية والالتزام، لا بالظهور الظرفي.
ولو تحلت شبيبة الحزب بالشجاعة السياسية الكافية، لكانت البداية من داخل البيت نفسه. فقبل إعلان مبادرة “أجي نسمع ليك” للاستماع إلى هموم المواطنين، كان الأجدر بها أن تمارس حقها في النقد والمساءلة داخل الحزب، وأن تسائل أطره ومنتخبيه الذين تحملوا مسؤولية تدبير الشأن العام باسم الحزب، وأن تفعل آليات المحاسبة السياسية عما اقترف من اختلالات في حق المواطنين. فالشجاعة السياسية الحقيقية لا تكمن فقط في جمع الشكاوى من الشارع، بل في مواجهة الاختلالات داخل البيت الحزبي نفسه.
كما أن دعوة الجمعيات والهيئات الحقوقية إلى الحوار تطرح بدورها مفارقة أخرى. فهذه الجمعيات التي يطلب اليوم الاستماع إلى صوتها، كانت في فترات سابقة موضوع توتر وتشكيك من طرف بعض المسؤولين الحكوميين المنتمين لنفس الحزب. بل إن النقاش السياسي شهد أيضا مواقف معارضة لمطالب تشريعية يعتبرها الرأي العام ضرورية لمحاربة الفساد، وعلى رأسها قانون الإثراء غير المشروع.
وإذا كان الحديث عن الإنصات موجها للشباب والمجتمع المدني، فإن سؤال النزاهة والقدوة يظل بدوره حاضرا بقوة في النقاش العمومي. فالمواطن الذي سئم من أخبار المتابعات القضائية التي طالت عددا من المنتخبين في أكثر من موقع داخل المملكة، ينتظر اليوم نموذجا سياسيا مختلفا يعيد الاعتبار للعمل السياسي ويستعيد ثقة الناس.
الواقع أن السياسة التي تصنع من رحم اقتراحات المواطنين لا تبدأ بجولات رمزية في شهر مارس، بل تبدأ بتقييم صريح للحصيلة. فقبل الحديث عن “عهد جديد”، من حق المواطنين أن يعرفوا ماذا تحقق من الوعود السابقة، وما الذي تعثر، ولماذا.
الإنصات الحقيقي لا يحتاج منصة ولا شعارا.
هو ببساطة قرار سياسي:
قرار بأن تكون المؤسسات مفتوحة فعلا للنقاش، وأن تتحول الشكاوى إلى حلول، وأن يُربط التدبير بالمساءلة.
أما أن تتحول كلمة المواطن إلى “بطاقة استماع” تضاف إلى أرشيف المبادرات، فذلك لا يغير كثيرا في واقع الناس.
المواطن في جهة مراكش–آسفي لم يعد يبحث عن صور في المقاهي، ولا عن بطاقات استماع رقمية، بل يبحث عن:
نتائج ملموسة، شفافية في التدبير، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
قد يكون الاستماع خطوة أولى، لكن السياسة لا تقاس بحسن الاستماع فقط، بل بقدرة من يستمع على اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته.
ولهذا يبقى السؤال الذي يطرحه الشارع اليوم بوضوح: هل نحن أمام سياسة إنصات حقيقية تعيد الاعتبار لصوت المواطن؟ أم أمام إنصات متأخر لأسئلة ظلت معلقة لسنوات؟ أم أن الأمر ببساطة جزء من حملة سياسية لتلميع صورة القيادة الحزبية استعدادا للاستحقاقات المقبلة؟
