تعيش البلاد على وقع فيضانات أغرقت المنازل وأتلفت المحاصيل، في سياق استثنائي أعطى فيه عاهل البلاد أوامره السامية للتدخل العاجل،حيث تم تشكيل لجنة وطنية لليقظة تضم كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين، وقد باشرت مهامها فعلياً بكل تفانٍ وجدية لحماية الأرواح والحد من الخسائر … ورغم هذا الوضع الوطني الطارئ، تطلّ وزارة الشباب والثقافة والتواصل من واقعٍ موازٍ، بعيد عن منطق الاستعجال، بإطلاق صفقة عمومية تقارب 50 مليون درهم لتنظيم معرض للألعاب الإلكترونية، في مفارقة يختصرها المثل المغربي بمرارة:” آش خصك آ العريان خصني خاتم آمولاي”
الطوفان هناك… لكن اللعبة هنا.
الصفقة رقم 16/2025 لا تبدو مجرد نشاط ثقافي عابر، بل مهرجان ترفيهي فاخر بكل المقاييس: خيام ضخمة، تجهيزات تقنية مهولة، إنتاج سمعي بصري كثيف، إقامة فندقية مريحة، نقل VIP، وحملات تواصل صاخبة… كل هذا في بلدٍ يبحث فيه المنكوبون عن بطانية، مضخة ماء، أو سقف لا يسقط مع أول زخّة مطر.
وهنا يُطرح السؤال البسيط، الساخر، والمؤلم في آنٍ واحد:
آش خصّك آ المنكوب؟ هل خصّك مأوى؟ تعويض؟ إعادة إعمار؟
لا… خصّك تلعب بلاي ستيشن، مع الوزير.
من زاوية القانون، يبدو الأمر وكأن مفهوم المصلحة العامة دخل بدوره في وضع “offline”. فالقوانين التنظيمية للمالية العمومية تتحدث عن الأولويات، الاستعجال، النجاعة الاجتماعية… لكن يبدو أن هذه المفاهيم لا تظهر في قائمة الألعاب المعتمدة من الوزارة.
كيف يُعقل أن تُضخ خمسة مليارات سنتيم في معرض ترفيهي، بينما مناطق بأكملها في الشمال والغرب تعيش وضعاً أقرب إلى النكبة؟
هل أصبح “الترفيه الرقمي” أكثر إلحاحاً من إنقاذ مدينة، دعم الفلاحين، أو حماية الأرواح؟
الأدهى من ذلك، أن تفاصيل الصفقة توحي باستعراض مكلف أكثر مما توحي بمشروع ذي أثر عمومي حقيقي. لا مؤشرات واضحة عن عائد اقتصادي، لا ضمانات اجتماعية، ولا تفسير مقنع لضرورة الاستعجال. فقط سؤال يتردد في ذهن المواطن:
من المستفيد؟ ولماذا تتكرر نفس الأسماء، ونفس الشركات، ونفس السيناريوهات؟
وحين نربط هذا المعرض بسوابق تدبيرية مثيرة للجدل—منها تضخم كلفة معارض ثقافية أخرى وإسنادها لجهات بعينها—يتحوّل الأمر من “سوء تقدير” إلى نمط، ومن “خطأ سياسي” إلى إشكال حكامة.
المفارقة القاتلة أن نفس الشباب، الذين يُقال إن هذا المعرض موجّه لهم، هم أنفسهم من يركبون قوارب الموت، أو يقفون في طوابير البطالة، أو ينتظرون فرصة شغل لا تأتي.
لكن يبدو أن جواب الحكومة واضح:
ما عندناش خدمة… ولكن عندنا Game Expo.
إن النقاش هنا ليس ضد الألعاب الإلكترونية، بل ضد قلب سلّم الأولويات. ضد تحويل الكارثة إلى هامش، والاستعراض إلى مركز. وضد مالٍ عام يُصرف بسخاء على “اللعب”، بينما الواقع يفرض “الإنقاذ”.
وأمام هذا العبث، لا يسعنا إلا أن نُعيد المثل المغربي بصيغته الأكثر صدقاً اليوم:
“آش خصّك آ المنكوب؟ خصّني نلعب بلاي ستيشن آ الوزير.”
