لم يعد الأمر يتعلق بحالات معزولة أو اجتهادات فردية، بل نحن أمام موجة صاعدة تعيد تشكيل المشهد السياسي خارج قواعده الطبيعية. مؤثرون يعلنون، دون حرج، نيتهم خوض الإنتخابات قبل اوانها، ويشرعون فعليا في حملة إنتخابية مقنعة، مستغلين ملايين المتابعين، وكأن “الترند” صار بديلا عن الشرعية السياسية.
هذا التحول الخطير لا يمكن قراءته فقط كخرق قانوني، بل كتشويه عميق لفكرة التمثيل الديمقراطي. فالمؤثر، حين يتحول الى مرشح، لا يدخل السياسة من بابها المؤسساتي، بل يقتحمها من نافذة الشهرة، حاملا معه أدوات الإثارة بدل أدوات التشريع، ومنطق “اللايك” بدل منطق المسؤولية.
والأخطر من ذلك، أن التجربة المغربية نفسها قدمت نماذج حية على هذا الانزلاق. فقد سبق أن ولج عدد من الممثلين والفنانين قبة البرلمان، محمولين على موجة الشعبية، لكن الحصيلة كانت صادمة: حضور باهت، أداء محدود، وصمت شبه مطلق تجاه قضايا القطاع الفني نفسه.
قطاع يعاني هشاشة مزمنة، من غياب الحماية الاجتماعية للفنان، الى ضعف البنيات الانتاجية، الى اختلالات الدعم العمومي… ومع ذلك، لم نكاد نسمع سؤالا رقابيا واحدا جادا تحت قبة البرلمان يدافع عن هؤلاء الذين كان يفترض أن يكونوا صوتهم.
هنا تتجلى المفارقة الصارخة: كيف لمن جاء باسم الفن أن يصمت عن الفن؟ وكيف لمن صعد على أكتاف الجمهور أن يعجز عن تمثيله داخل المؤسسة التشريعية؟ الجواب بسيط ومقلق في الآن ذاته: لأن الطريق لم يكن سياسيا في الاصل، بل إعلاميا شعبويا، ولأن الوعي بالدور البرلماني كان غائبا أو مغيبا.
النائب البرلماني ليس نجما، ولا مؤثرا، ولا صانع محتوى. هو مشرع ورقيب، يشتغل داخل منظومة معقدة، تتطلب تكوينا سياسيا، وإلماما بالقوانين، وقدرة على الترافع الجاد. البرلمان ليس منصة عرض، بل مؤسسة سيادة، تصاغ داخلها القوانين، وتحاسب فيها الحكومة.
في هذا السياق، يصبح ما يقوم به بعض المؤثرين اليوم، من ترويج مبكر وممنهج لخوض الانتخابات، أكثر من مجرد طموح سياسي مشروع. إنه التفاف على القواعد، ومحاولة لفرض واقع إنتخابي جديد يقوم على “القوة الرقمية” بدل التنافس النزيه، وهو ما يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص، ويمنح أفضلية غير عادلة لمن يملك جمهورا إفتراضيا، لا مشروعا سياسيا.
وأمام هذا الانزلاق، يبرز دور وزارة الداخلية كفاعل مركزي في حماية قواعد اللعبة. فالمسؤولية اليوم لا تقتصر على تنظيم يوم الاقتراع، بل تبدأ من ضبط ما قبله: مراقبة الحملات السابقة لآوانها، رصد الدعاية المقنعة، والتدخل الحازم لوضع حد لكل أشكال التلاعب بالإرادة الشعبية.
إن الصمت في هذه المرحلة ليس حيادا، بل تواطؤ غير مباشر مع فوضى زاحفة. فكل تأخر في تطبيق القانون، يفتح الباب أمام مزيد من “التجريب السياسي” على حساب مؤسسات الدولة وثقة المواطنين.
المغرب لا يحتاج الى برلمان يدار بمنطق “الترند”، ولا الى نواب يقاس اداؤهم بعدد المتابعين، بل يحتاج الى كفاءات حقيقية، قادرة على التشريع، وعلى الدفاع عن القطاعات، وعلى مساءلة الحكومة بجرأة ومسؤولية.
أما تحويل السياسة الى إمتداد لعالم “اللايف” و”الستوري”، فليس سوى وصفة جاهزة لإفراغ الديمقراطية من مضمونها… وتحويلها الى عرض مفتوح، عنوانه الكبير: كثير من الضجيج، وقليل من السياسة.
