تصرّ صحيفة لوموند الفرنسية، في كل منعطف سياسي بالمغرب، على العودة إلى لازمتها المفضلة: “النهاية وشيكة، المغرب على حافة الفراغ، الملكية في طور الأفول”. عناوين براقة، لكنها جوفاء. ومقالها الأخير بعنوان “في المغرب، أجواء نهاية عهد محمد السادس” ليس استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإسقاطات الفرنسية على بلدٍ لم يعد منذ زمن خاضعا لخيال باريس ولا لإملاءاتها.
المقال، في جوهره، لا يقدّم أي معطى جاد أو معلومة دقيقة. مجرد ركام من التخمينات: غياب الملك عن مناسبات، ظهور ولي العهد في أخرى، إشارات إلى صحته… ثم القفز مباشرة إلى خلاصة كبرى: “الأفول يقترب”. هذه ليست صحافة، بل فبركة باردة تُكتب لتغذية قلق فرنسي أكثر مما تُعبر عن واقع مغربي. فالصحافة المهنية تُبنى على وثائق، على شهادات، على مصادر موثوقة. أما أن تتحول لوموند إلى مرآة لترديد الشائعات، فذلك سقوط مهني وأخلاقي قبل أن يكون سياسيا.
الخطير أن هذا الخطاب لا ينفصل عن تاريخ طويل من النظرة الاستعمارية. فمنذ الستينيات، ظلت كبريات الصحف الفرنسية تتعامل مع الملكية المغربية وكأنها “استثناء مؤقت” في حاجة إلى تفسير دائم من الخارج، وكأنها بنية غريبة يجب تفكيكها. لكن بعد ستة عقود، لم تتعلم هذه الصحف أن المغرب بلدٌ يملك خصوصياته ودينامياته الداخلية.
الحقيقة التي تتجاهلها لوموند عمدًا أن المؤسسة الملكية ما تزال الفاعل المركزي في الحياة السياسية، ممسكة بالخيوط الكبرى، وقادرة على إعادة إنتاج شرعيتها بأشكال مختلفة. التحديات التي تواجه المغرب حقيقية: بطالة متفاقمة، اختلالات اجتماعية، فوارق مجالية… لكن هذه الملفات لا تعني أبدا انهيار النظام أو “غروب العهد”. إنها تحديات مجتمع يسعى إلى إصلاح واقعه، لا مادة لتسويق خطاب فرنسي قديم فقد مبرراته.
مقال لوموند ليس بريئا. هو ورقة ضغط ناعمة، رسالة سياسية مبطنة في سياق علاقات مأزومة بين الرباط وباريس. فرنسا لم تهضم بعد أن المغرب يوسع شراكاته نحو إفريقيا وأمريكا وآسيا، وأن زمن “المجال الحيوي” الفرنسي انتهى. لذلك تلجأ صحفها إلى إعادة تدوير خطاب التخويف: المغرب مريض، الملك غائب، النهاية قريبة… كل هذا فقط لتذكير الغرب أن باريس ما تزال “مفتاح فهم المغرب”. والحقيقة أن باريس صارت خارج اللعبة، لا تملك لا المفاتيح ولا الأدوات.
الندّ الحقيقي لـ لوموند ليس مقال رأي مضاد، بل وعي مغربي متزايد بأن صورة البلد لا تُصاغ في الخارج. فالمغاربة يعرفون جيدا ما ينقصهم، وينتقدون بحدة اختلالات الداخل: التعليم، الصحة، العدالة الاجتماعية. لكنهم يرفضون أن تتحول هذه القضايا إلى ذريعة لصناعة تقارير متعالية تمارس الوصاية باسم “التحليل السياسي”.
في النهاية، ما كتبته لوموند لا يقول شيئا عن المغرب، بل يقول الكثير عن فرنسا: بلد يعيش أزمة نفوذ، عاجز عن فهم أن مستعمراته السابقة صارت تكتب تاريخها بنفسها. مقالها عن “نهاية عهد” ليس سوى محاولة يائسة لإقناع نفسها أن المغرب ما يزال رهينة المخيال الفرنسي. والحقيقة أن هذا الوهم هو وحده الذي يعيش نهايته.