آخر الأخبار

دفاعًا عن وحدة اليسار ومسؤوليته التاريخية

بين منطق النقد المشروع ومنزلق الانشقاق: دفاعًا عن وحدة اليسار ومسؤوليته التاريخية

ذ.عبد اللطيف رقيق

يشكل البيان الصادر عن تيار “اليسار الجديد المتجدد” محطة دالة في مسار التوتر التنظيمي الذي يعرفه الحزب الاشتراكي الموحد، لكنه في الآن ذاته يطرح إشكالًا أعمق يتجاوز حدود الاختلاف الداخلي المشروع إلى ملامسة تخوم الانشقاق، بما يحمله ذلك من مخاطر سياسية وتنظيمية على مشروع اليسار الديمقراطي بالمغرب. فبين حق الاختلاف وواجب الحفاظ على وحدة التنظيم، تبرز الحاجة إلى قراءة نقدية هادئة ومسؤولة، تضع هذه الخطوة في سياقها التاريخي والسياسي.
من حيث المبدأ، لا يمكن إنكار مشروعية النقد داخل التنظيمات السياسية، بل إن التعددية الفكرية والتعبير الحر يشكلان أحد أعمدة العمل الحزبي الديمقراطي. غير أن تحويل هذا النقد إلى خطاب تصعيدي يتوسل مفردات التخوين والتفكيك، ويؤسس لشرعيات موازية خارج الأطر التنظيمية، يفتح الباب أمام دينامية انشقاقية تعيد إنتاج أعطاب تاريخية عانى منها اليسار المغربي لعقود. وهنا يفرض التاريخ نفسه كمرآة لا ترحم.
لقد سبق لليسار المغربي أن دفع كلفة باهظة نتيجة الانقسامات، كما حدث مع تجربة منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، حين برزت تيارات داخلية، من بينها ما ارتبط بمجموعة أطيل حسان، التي اختارت مسارًا تصادميًا أدى إلى تفكك التنظيم بدل تطويره من الداخل. ولم تكن تلك اللحظة مجرد خلاف تنظيمي عابر، بل شكلت درسًا تاريخيًا بليغًا حول مخاطر تغليب منطق “الشرعية الذاتية” على منطق البناء الجماعي.
في مقابل ذلك، شكلت المرحلة الاندماجية التي عرفها اليسار المغربي لاحقًا لحظة نضج سياسي وتنظيمي، حيث انخرطت عدة مكونات يسارية في مشروع وحدوي طموح، بدأ مع منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، ومرّ عبر تجربة اليسار الاشتراكي الموحد، ليبلغ مداه بتأسيس الحزب الاشتراكي الموحد. ولم يكن هذا المسار مجرد اندماج تقني، بل كان ثمرة وعي عميق بضرورة تجاوز التشرذم، واستجابة لحاجة موضوعية فرضتها تحولات المجتمع المغربي وتحدياته.
وقد كان وراء هذا المشروع الوحدوي رجال ونساء نذروا أنفسهم لفكرة اليسار الديمقراطي، من قبيل محمد بن سعيد آيت إيدر، الذي جسّد نموذج المناضل الصلب المؤمن بوحدة الصف، ونبيلة منيب التي شكلت، بما راكمته من حضور سياسي ونضالي، إحدى أيقونات هذا المسار، إلى جانب أسماء أخرى من قبيل إبراهيم ياسين، وغيرهم من المناضلين الذين أدركوا أن قوة اليسار لا تكمن في نقاءاته المغلقة، بل في قدرته على التوحد حول مشروع مجتمعي ديمقراطي.
إن ما يميز هذه القيادات ليس فقط دورها التنظيمي، بل إيمانها العميق بأن الحزب ليس ملكية فئوية أو مجالًا لتصفية الحسابات، بل هو تعبير عن آمال فئات واسعة من الشعب المغربي، خاصة الطبقات الكادحة والمهمشة. ومن هنا، فإن أي نزوع نحو تفكيك هذا الإطار، تحت أي مبرر، يشكل في جوهره مساسًا برأسمال نضالي راكمته أجيال من المناضلين عبر عقود من التضحيات.
لقد كان الحزب الاشتراكي الموحد، في مختلف محطاته، حاضرًا في قضايا الشعب والوطن: من الدفاع عن الحريات العامة، إلى الانخراط في معارك العدالة الاجتماعية، إلى مواقفه من القضايا الوطنية وعلى رأسها الوحدة الترابية. ولم تكن هذه المواقف مجرد شعارات، بل ترجمت إلى تضحيات جسام، طالت مناضلين تعرضوا للاعتقال والتضييق والإقصاء، في سياقات سياسية لم تكن دائمًا رحيمة.
إن استحضار هذه الذاكرة النضالية ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو شرط لفهم الحاضر وتوجيه المستقبل. فالوحدة التي تحققت لم تكن معطى جاهزًا، بل كانت نتيجة مسار معقد من الحوار والتنازل المتبادل وتغليب المصلحة العامة. ولذلك، فإن التفريط فيها اليوم، تحت ضغط الخلافات الظرفية، يمثل تراجعًا خطيرًا عن مكتسب تاريخي.
من هذا المنطلق، فإن ما يطرحه بيان “اليسار الجديد المتجدد”، رغم ما قد يتضمنه من عناصر نقدية مشروعة، يظل محكومًا بسقف سياسي وتنظيمي يقترب من منطق الانشقاق أكثر مما يخدم منطق الإصلاح. فبدل الدفع نحو إعادة بناء الثقة داخل المؤسسات الحزبية، يساهم هذا الخطاب في تعميق الشرخ، وإضعاف ما تبقى من مناعة تنظيمية.
إن الرهان اليوم لا ينبغي أن يكون على كسب معارك داخلية ضيقة، بل على إنقاذ المشروع اليساري برمته من التفكك. وهو ما يقتضي العودة إلى منطق الحوار، والاحتكام إلى القوانين الداخلية، وتغليب روح المسؤولية التاريخية على نزعات التموقع.
ختامًا، يبقى الحزب الاشتراكي الموحد ملكًا رمزيًا وسياسيًا للشعب المغربي، وليس حكرًا على تيار أو قيادة أو مجموعة. والدفاع عنه لا يكون بتفكيكه، بل بإصلاحه من الداخل، وبالوفاء لروحه النضالية التي صاغتها تضحيات أجيال. فإما أن ينتصر اليسار لوحدته، أو يعيد إنتاج مآسي انقساماته، والتاريخ لا يرحم من لا يتعلم من دروسه.