الرئيسية » الرأي » أحمد الحجامي يستعيد ذكريات 23 مارس ـ 7 ـ

أحمد الحجامي يستعيد ذكريات 23 مارس ـ 7 ـ

من بلد المليون شهيد إلى.. البلد الشهيد

بعد ذلك بدأ التحرك في اتجاه حركات التحرر العربية والعالمية التي كانت جزائر السبعينات تعج بها. جزائر بداية السبعينات لم تكن هي جزائر منتصف السبعينات عندما انقلبت انقلابا شيطانيا على المغرب والمغاربة وشردت من شردت منهم ونكبت من نكبت واعتقلت مخابراتها وعذبت مغاربة أبرياء مثل المناضل القيادي في حركة 3 مارس أحمد بن مسعود الطالبي، والشاعر محمد على الهواري الذي ساهم في صنع المجد الثقافي والفني للجزائر المستقلة بعمله المتميز في جريدة «الشعب». ولم تكن نظرتنا اليها بداية السبعينات هي نفس النظرة اليوم. كانت كثير من القضايا والتناقضات ما تزال في بدايتها. كنا ما زلنا آنذاك تحت التأثير الرومانسي لثورة المليون شهيد التي كان كل شيء يذكر بها، وحتى مغاربة الجزائر من اللاجئين كان فيهم شيء منها؛ بل وشيء كثير من هذه الثورة.

فلم يكونوا لاجئين عاديين مثل الفلسطينيين أو السوريين أو غيرهم حتى ولو كانوا من طراز أبو جهاد أو وديع حداد أو ابراهيم ماخوس أو ابراهيم طوبال أب المعارضة التونسية مثلا.. فرجل مثل سعيد بونعيلات أو الكولونبل بنحمو أو ابراهيم التزنيتي أو عمر الفرشي أو حمدون شوراق مثلا كانوا أندادا للقادة الجزائريين باعتبارهم مساهمين في تحرير الجزائر.

بل إن حمدون بطل عملية إنزال الأسلحة في شواطئ كبدانة وإخفائها ونقلها الى الجزائر، كان ينسق مع قادة الساعات الأولى في الثورة الجزائرية أمثال محمد بوضياف والعربي بلمهيدي في وقت كان بومدين الذي رافق باخرة السلاح المصرية دينا مسؤولا عسكريا فقط. ومن ثمة، كان التواجد المغربي في الجزائر يندرج في إطار تصريف لتراث نضالي مشترك لا منة من سلطات بلد مضيف.

على هذه الخلفية كنا نتحرك في الجزائر وكنا نقف على أرضية صلبة. كانت قد مضت بضع سنوات فقط على انقلاب بومدين في 19 جوان 1965، ظِلُّ بن بلة كان ما يزال حاضرا معنويا على أكثر من صعيد وعلاقة التقدميين المغاربة بأنصاره من أمثال الدكتور عبد المجيد مزيان والدكتور جمال قنان.. كانت قوية ومتينة كما كانت كذلك مع عدد من المعارضين الآخرين من المثقفين والفنانين من أمثال الأديب الرمز كاتب ياسين الذي كان مسرحه العمالي بوهران معظم طاقمه الفني مغاربة، نفوذ الاتحاد الوطني لطلبة الجزائر بتوجهه اليساري كان كاسحا في الجامعة وخير خاضع لسلطان جبهة التحرير وبدأ ظهور محتشم ليسار ماركسي كان بعض المغاربة على علاقة به وكانت بعض أدبياته تستنسخ ليلا بمساعدة من بعض أصدقائهم المغاربة في القبة. وفي نفس الاتجاه كنت قد ترجمت لأنفاس تحليلا بعنوان «الصراع الطبقي في الجزائر»..

والشيء الهام الذي لا بد من تكراره هنا أن المغاربة عموما والمناضلين التقدميين منهم بوجه خاص كانوا يحظون باحترام كبير لدى الشعب الجزائري لعوامل ضاربة في أعماق الذاكرة الشعبية الجزائرية ربما تعود إلى ملحمة حرب الريف أو إلى البطولات الأسطورية للمغاربة في الحرب العالمية أو لمرحلة النضال المشترك ضد الاستعمار أو لكل هذه العوامل مجتمعة.. فأن تكون «مروكيا» في الجزائر أوائل السبعينات من القرن الماضي كان مصدر اعتزاز وفخر رغم التواجد المكثف للمغاربة في الجزائر على مختلف المستويات خاصة في الغرب الجزائري حيث كانت تعيش أجيال من اللاجئين بمختلف مجموعاتهم منذ بداية الستينات في وئام تام مع السكان. وفي الجزائر العاصمة لم يكن تواجد المغاربة ولمدة طويلة يثير تلك الحساسيات الشبيهة بالشوفينية التي حصلت مع المصريين والفلسطينيين والأفارقة الذين كانت الجزائر تحتضن حركاتهم التحريرية كإرث ورثه بومدين عن بن بلة والمهدي بنبركة وبقايا تأثير المد الناصري والزخم التحرري لزعماء من أمثال سيكوتوري ونكروما وموديبوكيتا.. في عصر الاستقلالات ونضال القارات الثلاث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *