الهوى

بمجرد ما رأيتها اعتقدت انها هي… صديقة قديمة كانت تكتب قصصا قصيرة، نسائية حقيقية، مع الاعتذار التام للقاصات الذكور و للقصاصين الإناث… المهم هناك شبه صارخ دفعني للاقتراب منها…
ــ مارية؟؟
ــ عفوا، أنا لست مارية، ولكن إن شئتْ، يمكن انُ اكون مارية…
ــ اسمحي لي اعتقدتك …
ــ أنا باختصار متعددة الأسماء، لكني واحدة ممن باعهن المجتمع فباعوه بأبخس الأثمان… المجتمع لا يقول لي شيئا، أنت لا تقول لي شيئا، و أنا لا أقول لكما شيئا… أنا هي أنا… و أعلمُ تمام العلم من أنا…
ــ من أنت؟
ــ أنا، حسب منطقكم، أحب الهوى وابيعه بالتقسيط وعلى دفعات مريحة… كنت أحلم أن أكون شيئا آخر، و لكنها مدام بوفاري خذلتني كما أغوتني حد الجنون أحلام مستغانمي… أعيش مع طفلتيْ و لا خيار لي…
ــ هل تعرفين أباهما؟
ــ نعم، أعرفه، هو كل الآباء، رجل عاقل، مجنون، كلما أخبرته عن حملي منه، بادر للتعبير عن استعداده لإرضائي… أنا لا أستعمل الكينات ، عندما يريدني أنسى من شدة الشوق إليه كل شيء حتى الكينات … أنا أحبه هو و لا أستطيع أن أطالبه بالزواج… أنا لا أصلح للزواج، مزاجي و كوني أدخن و أشرب و أبيع الهوى… لا أصلح أن أكون زوجة لا تدخن و لا تشرب ولا تبيع الهوى، الزوجة هي مزاج و عقلية…
أخرجت من حقيبتها علبة سجائر و قطعة حشيش و شرعت في تركيب سيجارتها المحشوة نشوة…
ــ لا يؤلمني شيء أكثر من كونهم يرفضون تخصيص دفتر حالة مدنية لطفلتي هند وابتسام، تصور، أنني عندما طالبتهم بذلك منحوني لكل طفلة بطاقة من الورق المقوى، خضراء اللون، خاصة بأبناء الزنى !!! كيف لابنتي أن يستقبلا الحياة و تتابعا دراساتِهما بهذا الميْز الذي لا دخل لهما فيه؟… طبعا أرفض ذلك… أريد حالة مدنية رسمية لأولادي باسمي أنا لا باسم أحد آخر، لماذا هذا الدفتر خاص بالذكور دون الإناث؟ أنا لست معاقة و لا مجنونة، أنا أحسن بكثير من عدد من المتعلمين و المدعين و المتسلقين و الوزيرات و المعلمات ممن جنّبتهم الظروف مثل مصيري…
ــ اسمحي لي، قصتك تغري بالغرق…
ــ أنا لست من المهمشين أو المهمّشات ، لماذا لا تمنحوني فرصة الحضور بينكم؟ أنا كائن حي لا بد له من هوية، أنا أيضا أقول عني، مغربية، و أيضا أحب شيئا صغيرا جدا بحجم ابنتي في هذه البلاد…
أشعلت سيجارتها، جدبت نفسا عميقا…
ــ ألا تفكرين في حل لحالتك؟
ــ حتى التفكير في حالتي موكول لغيري، طبعا مسموح لي أن أفكر في الانتحار… في حالة الغضب، حتما… و أفكر في الموت في حالة اليأس… و أفكر في الحياة عندما أنظر في عيني ابنتي…
ــ الانتحار، الموت، الحياة؟؟؟
ــ الانتحار الذي قد أفكر فيه ليس عن طريق شرب سم أو دواء للفئران، بل أن أقف على رصيف محطة القطار ثم أرمي نفسي أمام قطار مسرع حتى يكون لانتحاري صخب طفيف، عسى أن تبقى مني شظية واحدة تعيد للحياة دورتها المفقودة… الانتحار الذي لا يمر كلمح البصر، ولا يترك منك شيئا على الأرض، ليس انتحارا… فعلا تنتابني حالات من الضجر و الاكتئاب عندما لا أجد وسيلة ولا مخرجا لتلبية حاجات طفلتيْ اليومية … أفكر في الموت أيضا، عندما أَحن لأمي و أبي البعيدين و لحاجتي الماسة إليهما… أقبح لحظاتي هي الأيام التي يعتبرونها اعيادا… أكون في جحر و حدتي ولا أجد مخرجا لي إلا أن أذهب إلى مكان لدفن دموعي، أذهب مباشرة إلى المقبرة، أبكي و أبكي إلى أن تجف دموعي، أواريها التراب و أنصرف… ربما أنا ميتة تحلم بالحياة…
أخرجت مرآتها و أدوات زينتها و بدأت تلون شفتيها و تصبغ أشفارها وتتملى صورتها… ثم أخذت من جديد تحضر سيجارة حشيش أخرى…
ــ وما جدوى الحشيش ؟
ــ الحشيش، كلما دخنته أكثر، أرى نفسي فتاة عزباء شريفة في حالة نوم، الحشيش والشرف توأمان، لكنها تحلم أحلاما مزعجة قليلا، ترى نفسها قد صارت بائعة هوى و لديها طفلتين ببطاقتين خضراوين، بدون أب و بدون مصدر للعيش و بدون… ماذا أفعل في حالتي بالكرامة…
ـ الآن، أرجوك، ما هو اسمك الحقيقي؟
ـ اسمي مارية.

محمد عزيز المصباحي / الجديدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *